اقتصاد عربي نُشر

من الأموال الساخنة إلى التمويل المستدام.. مصر تعيد رسم خريطة ديونها

تسعى الحكومة المصرية إلى تغيير قواعد اللعبة في سوق الاقتراض، بعدما كشفت تقلبات الأسواق العالمية وموجات خروج استثمارات المحافظ عن مخاطر الاعتماد المفرط على التدفقات قصيرة الأجل، وتفكر القاهرة في أدوات تمويل أطول أجلاً وضمانات ائتمانية جديدة لتخفيف أعباء الدين وتعزيز الاستقرار المالي.

من الأموال الساخنة إلى التمويل المستدام.. مصر تعيد رسم خريطة ديونها

 وتراهن القاهرة على تعميق سوق الدين طويل الأجل، واستقطاب مستثمرين أكثر استقراراً، إلى جانب توسيع نطاق الضمانات الائتمانية للمشروعات، في محاولة لخفض تكلفة الاقتراض وتقليص مخاطر تجدد أعباء الديون، وسط تراجع الجنيه وارتفاع كلفة التمويل.

كشف وزير المالية، أحمد كجوك، عن عمل الحكومة مع بنكين من بنوك التنمية متعددة الأطراف ومؤسستين ماليتين دوليتين لإنشاء كيان مالي بتصنيف ائتماني AAA، يتولى إصدار ضمانات ائتمانية للمشروعات دون تحميل الدولة ضمانات سيادية مباشرة، في خطوة تستهدف تشجيع المستثمرين على تمويل مشروعات قابلة للاستمرار تجاريا، لكنها لا تزال تحتاج إلى قدر إضافي من الحماية الائتمانية.

أشار خبراء إلى أن الضغوط التي تواجهها الأسواق الناشئة، ومنها مصر، لم تكن منفصلة عن اختلال أوسع في النظام المالي العالمي، يقوم على مركزية الدولار وقدرة الولايات المتحدة على تمويل ديونها بعملة تستخدمها بقية دول العالم وتحتاج إليها في معاملاتها واحتياطياتها، منوهين في مناقشات ساخنة، بجلسة "السيادة الكامنة: الدين الأميركي وتداعياته العالمية، من يدفع ثمن الديون"، التي عقدت ضمن من منتدى القاهرة الثالث، يومي 1 و2 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.

قال الزميل الأول بالمجلس الأطلسي بواشنطن، هانج كيو تران، إن الولايات المتحدة أساءت استخدام امتياز إصدار العملة الاحتياطية العالمية، بعدما أتاح لها الانتشار الواسع للدولار والطلب الدولي على سندات الخزانة الأميركية إصدار مستويات من الدين لم تكن لتتمكن من تحملها بالقدر نفسه في غياب هذه المكانة.

 وأوضح أن العالم يحتاج إلى أصول آمنة تستخدمها الحكومات والمؤسسات المالية ضمانا في معاملاتها وعمليات الاقتراض، وأن سندات الخزانة أصبحت الخيار المفضل لتلبية هذا الاحتياج، وبذلك لا تستند قدرة الولايات المتحدة على الاقتراض إلى حجم اقتصادها وحده، وإنما إلى دور الدولار في النظام المالي الدولي، وما يخلقه هذا الدور من طلب مستمر على ديونها.

وفقا للخبير الأميركي، تكشف هذه المعادلة عن مفارقة أساسية، أن الدين الأميركي لا يمثل عبئا محليا تتحمل الولايات المتحدة وحدها مخاطره، بل يرتبط باستقرار النظام المالي العالمي، لأن الدول والمؤسسات التي تحتفظ بسندات الخزانة أو تستخدمها ضمانا تتأثر بأي تغير في قيمتها أو عوائدها، كما أن قرارات السياسة النقدية الأميركية لا تبقى داخل حدود الاقتصاد الأميركي، بل تنتقل إلى الدول التي تقترض بالدولار أو تنافس على جذب رؤوس الأموال المقومة به، ومنها مصر.

من جانبه، قال مستشار أسواق المال في المركز المصري للدراسات الاقتصادية، عمر الشنيطي، إن الدين الأميركي يقترب من 40 تريليون دولار، بما يعادل نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، مع ذلك لا يرى أن هذا المستوى يهدد هيمنة الدولار في الأجل المنظور، مشيراً إلى أن حصة الأجانب من حيازة الدين الأميركي تراجعت من نحو 70% عام 2008 إلى قرابة 30% في 2026، مع انتقال الجزء الأكبر من حيازته إلى مواطنين ومؤسسات مالية أميركية، وهو ما يمنح الولايات المتحدة قدرا أكبر من القدرة على إدارة دينها مقارنة بالدول التي تعتمد على ممولين خارجيين.

 استبعد الشنيطي أن يفقد الدولار موقعه المهيمن خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، رغم صعود تكتلات اقتصادية مثل "بريكس"، معتبرا أن قوة العملة الأميركية لا ترتبط فقط بحجم الاقتصاد، وإنما أيضا بعمق الأسواق المالية الأميركية ومكانتها في حركة التمويل والاستثمار العالمية، موضحا أن هذا الامتياز لا يتوزع بالتساوي، حيث أن الدول الناشئة مثل مصر، تقترض بعملة لا تصدرها، ولا تتحكم في سعر الفائدة عليها، بينما تتأثر تكلفة تمويلها بقرارات يتخذها الاحتياطي الفيدرالي استنادا إلى أوضاع الاقتصاد الأميركي. وهنا لا تنتقل إليها تكلفة الفائدة وحدها، بل تضاف إليها علاوة المخاطر واحتمالات خروج المستثمرين بحثا عن عائد أعلى أو ملاذ أكثر أمانا.

يوضح الشنيطي أن خطورة هذه العلاقة بوضوح في الاقتصادات التي تعتمد على التمويل الخارجي لتغطية احتياجاتها، مثل مصر، إذ يمكن لقرار محدود في سعر الفائدة الأميركية أن يطلق سلسلة من التحركات تتجاوز أثره المباشر على تكلفة الاقتراض.

وقال الشنيطي إن زيادة الفائدة الأميركية بمقدار 25 نقطة أساس يمكن أن تنعكس على دولة مثل مصر في صورة ارتفاع يتراوح بين 2% و3% في تكلفة الاقتراض خلال ثلاثة إلى أربعة أسابيع، موضحا أن أثر القرار قد يتضاعف عدة مرات في الأسواق الناشئة بفعل علاوة المخاطر وحركة الأموال الساخنة.

 وتعني هذه الآلية، في رأي الشنيطي، أن تكلفة التمويل في مصر لا تتحدد فقط وفق احتياجات الموازنة أو أداء الاقتصاد المحلي، وإنما تتأثر أيضا بمقارنة المستثمرين بين العائد المتاح في السوق المصرية والعائد الذي يمكنهم الحصول عليه في الولايات المتحدة، بعد احتساب مخاطر سعر الصرف والائتمان والسيولة.

يؤكد الشنيطي أن المشكلة لا تكمن في دخول استثمارات المحافظ الأجنبية في حد ذاته، إذ توفر هذه التدفقات مصدرا للتمويل وتخفف اعتماد الحكومة على المدخرات المحلية، لكنها تتحول إلى مصدر هشاشة عندما يصبح جزء كبير من تمويل الدين رهنا بقرارات مستثمرين يمكنهم تغيير مراكزهم والخروج خلال فترة قصيرة.

ضرب الشنيطي مثالا بحجم التدفقات التي دخلت السوق المصرية خلال فترة سابقة، قائلا إن 50 مليار دولار تعادل نحو 1.5 تريليون جنيه عند سعر صرف 53 جنيها للدولار، أي ما يقارب 10% من دين محلي يبلغ نحو 15 تريليون جنيه.

كما أشار إلى خروج نحو 3 مليارات دولار من استثمارات المحافظ خلال أكتوبر، وما صاحبه من ضغوط على الجنيه. وتكشف هذه الأرقام، وفق طرحه، عن حجم تأثير تدفقات تبدو محدودة نسبيا إذا قيست بإجمالي الدين، لكنها قد تكون كبيرة للغاية عند خروجها في فترة زمنية قصيرة، خصوصا عندما تتزامن مع طلب على الدولار وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة. وفي المقابل، حذر الشنيطي من أن الاستغناء الكامل عن التمويل الخارجي ليس حلا عمليا بالضرورة.

وفي مواجهة الاختلالات، طرح وزير المالية أحمد كجوك مسارا يتجاوز الإجراءات المحلية قصيرة الأجل إلى محاولة تغيير بعض قواعد التمويل الدولي، عبر تنسيق مواقف الدول المقترضة وتعزيز قدرتها على التفاوض والتعامل مع المؤسسات المالية والأسواق.

وقال إن النظام المالي العالمي لم يكن عادلا ولن يصبح عادلا بالكامل، لكن ذلك لا يعفي الأسواق الناشئة من العمل الجماعي لتغيير القواعد التي تزيد تكلفة التمويل عليها. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن مصر تقود تأسيس "منصة المقترضين"، التي انطلقت من توصيات مؤتمر تمويل التنمية في إشبيلية بإسبانيا عام 2025.

وتقوم فكرة المنصة على معالجة اختلال قديم في هيكل التمويل الدولي؛ إذ امتلك الدائنون، على مدى أكثر من مئة عام، أطرًا ومنصات للتنسيق وتبادل المعلومات والتأثير في قواعد الإقراض، بينما افتقرت الدول المقترضة إلى كيان يجمعها لتبادل الخبرات وتنسيق المواقف والتحدث بصوت أكثر تماسكا.

وأوضح كجوك أن المنصة تضم نحو 30 دولة ناشئة من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، من بينها مصر وجنوب أفريقيا وباكستان، وأنه جرى وضع إطار الحوكمة وآليات الإدارة والتشغيل، فيما تتولى الأونكتاد التابعة للأمم المتحدة الأمانة الفنية لها. وبعد قيادة مصر للمنصة في عامها الأول، تولت باكستان الرئاسة التالية مع استمرار الدعم المصري.

وعلى المستوى المحلي، قال كجوك إن الحكومة لا تنظر إلى التقلبات الأخيرة باعتبارها دليلا منفردا على تدهور المؤشرات الاقتصادية، مشيرا إلى أن الأيام العشرة الأخيرة من الشهر السابق شهدت اضطرابا استثنائيا وخروجا لتدفقات من عدد من الأسواق الناشئة.

ورأى أن أثر خروج الأموال كان أكبر من أثر زيادات أسعار الفائدة وحدها، بسبب ما أحدثته التدفقات الخارجة من إعادة تسعير للأصول وزيادة القلق في الأسواق. وفي المقابل، أشار إلى تراجع علاوة المخاطر السيادية وعقود مبادلة مخاطر الائتمان CDS في مصر خلال العامين السابقين، بما عكس تحسنا في تقييم المستثمرين للإصلاحات والانضباط المالي والقرارات الاقتصادية.

ويرى خبراء أن مخاطر النموذج الحكومي تتجاوز ارتفاع تكلفة الاقتراض؛ إذ يخلق ما يعرف بمخاطر إعادة التمويل، أي احتمال اضطرار الحكومة إلى تجديد ديون مستحقة في وقت تكون فيه ظروف السوق أقل ملاءمة أو تكون فيه السيولة المتاحة أكثر محدودية، أما إطالة آجال الدين، فتمنح الدولة وقتا أطول لإدارة التزاماتها وتقلل تركز الاستحقاقات في فترات قصيرة، وإن كانت لا تلغي مخاطر الدين أو تكلفته.

 

العربي الجديد

مواضيع ذات صلة :