رغم الجهود الضخمة التي بذلت خلال الثلاث سنوات الماضية أي منذ بداية الأزمة المالية العظمى لتحسين الوضع الاقتصادي العالمي، لكن للآن لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على حدوث انتعاش اقتصادي حقيقي، وبدت ملامح هذا في غرابة الأداء الاقتصادي، حيث يسير النمو بخطى أسرع من زيادة الوظائف، حيث لا تزال البطالة في الولايات المتحدة الأمريكية قابعة عند مستويات مرتفعة، وقد تهدد فرص أوباما وطموحه لإعادة انتخابه، مما جعل المراقبين الاقتصاديين التفتيش عن حلول بالبحث عن عقد اقتصادي متوازن وجديد .
وعند التدقيق بعمق في مسيرة اقتصاد الولايات المتحدة والذي يعتبر قاطرة للاقتصاد العالمي، وجد أن النمو يتباطأ والبطالة تزداد، لأن أغلب أبناء المجتمع الأمريكي هم مقترضون ومتعثرون، وعندما يتعثر الناس فإنه من الصعب عليهم العمل في وظائف جديدة أو الاقتراض بسبب حرص المصارف على التسليف، كما أن السياسات المطبقة من قبل الاحتياطي الفيدرالي لم تفد الأمريكيين بالقدر الذي توقعه مجتمع قطاع الأعمال، وتأكدت الحقيقة الواضحة أمام أنظار الخبراء أن الاقتصاد الذي ينتج بمعدل أقل من إمكاناته لفترة طويلة فإنه يضحي بمستقبله .
فحصل الرئيس أوباما على الطمأنينة من مستشاريه الاقتصاديين بأن ارتفاع معدلات البطالة، كما أن الانتعاش الاقتصادي سيكون قوياً .
لقد وعى الرئيس الأمريكي ذلك وتبنى ملامح خطة نمو جديدة وجريئة للاقتصاد الأمريكي والعالمي أساسها زيادة الاستثمار والاستفادة من فرص رفع معدل الاستهلاك في الاقتصادات الناشئة ومعها الصين .
واعتمد في صياغة مبادرته على الحقائق التاريخية والتي تثبت قدرة الاقتصاد الأمريكي على استعادة عافيته بسرعة وقوة من كل فترات الركود التي مر بها، ففي غضون عامين من موجتي الركود العميقتين التي مر بها اقتصاد بلاده خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين عامي 1974-1976 وعامي 1980 و،1982 حيث انتعش بعد الأزمتين وبمعدل 6% وأكثر وهي معدلات تبدو مستحيلة التحقيق اليوم . لكن التجربة المتألقة للاقتصادات الآسيوية منحت خطة أوباما للنمو أملاً اقتصادياً غير مسبوق، حيث من المتوقع وبحلول العام 2030 أن يصبح حجم الأسواق المحلية الآسيوية ضعف حجم السوق الأمريكية، وستتضخم كتلة الطبقة الوسطى على مستوى العالم لتصل نحو ثلاثة مليارات نسمة وقد تكون هذه فرصة نادرة لتعزيز النمو العالمي نتيجة الطلب الإضافي على السلع والخدمات .
لكن لا شك هناك بعض المخاوف من عدم نجاح خطة أوباما بألا يكون الاقتصاد العالمي قد تعافى نهائياً من الأزمة ولا يستفيد من الفرصة الاقتصادية المتاحة، حيث مازلنا نلاحظ بعض آثار انفجار الفقاعات الاقتصادية تظهر: في اختفاء الرغبة في الاستثمار، وتكدس السيولة في البنوك، ونلاحظ أبراج سكنية خالية ومراكز تسوق تجارية من دون مستأجرين ومصانع وشركات تجارية من دون عملاء .
وللخروج نهائياً من عنق الزجاجة تلك، على العالم وخاصة المتقدم منه أن يبدأ مرة أخرى في استعادة قوة اقتصاده من بوابة الاختراعات الجديدة وتطوير المهارات والاهتمام باقتصاد المعرفة بتأسيس شركات “تقنية” للاستفادة من مخرجات المؤسسات البحثية العلمية .
إن خطة أوباما قد تشكل حجر الأساس لاتفاق اقتصادي عالمي جديد، يوفر أعلى مستويات النمو، ويخلق الملايين من فرص العمل في جميع أنحاء العالم، في ظل تطبيق برامج من الإصلاح البنيوي وخصوصاً في الاقتصادات المتقدمة تجعلها تتسم بالكفاءة في استخدام الطاقة وزيادة القدرة على المنافسة، على أن تكمل الاقتصادات الناشئة والصين الصورة عن طريق القيام بدورها من خلال زيادة معدلات استهلاكها، ومن المؤمل أن تكون هذه الخطة قادرة على زيادة النمو بنسبة 3% للاقتصاد العالمي بحلول العام 2014 وانتشال مئة مليون إنسان من براثن الفقر .
ولدعم خطة أوباما للنمو، علينا أن نلغي من عقولنا الشعور بعدم اليقين، لأنه يدفع المجتمعات وقطاع الأعمال لتأجيل اتخاذ أكبر قدر من القرارات وبعضها مصيري فتضيع الفرص الاقتصادية السانحة، وعلى سبيل المثال كان لتردد الحكومة الألمانية في اعتماد حزمة التعويم تأثيرات مخيفة في المصارف والمؤسسات المالية والمتورطة بديون كبيرة لليونان، ولذلك كانت الضغوط من الاتحاد الأوروبي والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي على المستشارة أنغيلا ميركل سريعة مما دفعها للقبول أخيراً، ولكن بعد وقت انتشر خلاله الشعور بالقلق المالي .
وإذا دققنا النظر في الأوضاع الاقتصادية لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فستجد مشكلات عميقة وسياسات خطرة مولدة للأزمات في هذه الدول في المستقبل القريب، حيث تضع هذه البلدان وبعضها يمر بمخاض سياسي صعب، في حالات عجز في مواجهة التزاماتها، قد ترغب هذه البلدان في الاعتماد على الدول المتقدمة، لكن هذه الأخيرة تعيش أوضاعاً اقتصادية ومالية صعبة لن تمكنها من مد العون إلى البلدان النامية مما يؤخر حدوث الانتعاش عندها .



