من الصعب أن تكتب عن رجلٍ شارف مئويته وهو ما يزال واقفًا في ذاكرة الناس كما لو أنه خرج للتوّ من أول مصنع أسّسه، يحمل دفتره الصغير ويعدّ الخطوات القادمة بطمأنينة من يعرف الطريق، لا لأنه سلكه كثيرًا… بل لأنه شقّه بنفسه. الحاج علي محمد سعيد أنعم ليس اسمًا في سجل العائلة فحسب، بل شجرة سامقة ظلّت تتمدّد كلّما اشتدّ القيظ على هذا البلد، وكأن اليمن كلما ضاقت بها السبل فتّشت عن ظلال هذا الرجل، فوجدتها حيث تركها: وارفةً وصلبةً وكريمةً كعادتها.
مئة عامٍ مرت، كانت كافية لأن تتبدّل الخرائط وتتهاوى أنظمة وتتشكل حكومات، غير أن الرجل الذي كان يؤمن – منذ بداياته – بأن التنمية ليست قرارًا فوقيًا ولا ضربة حظ، ظلّ يمضي في خطّه المستقيم؛ ينسج من أبسط الفرص أكبر المنجزات، ويحوّل من فكرةٍ صغيرة نواةً لواحدةٍ من أعرق المجموعات الاقتصادية في المنطقة. لم يكن يمارس التجارة كما يمارسها التجار، بل كما يمارس المعلّم دورَه في صناعة الدرس الأول: صبر، انتظام، وفاء، ورؤية تعرف أن النجاح لا يُنجز بالعَدْو وإنما بخطواتٍ ثابتة لا تعثر.
اليوم، في ذكرى مولده المئة، يبدو الحاج علي محمد سعيد أشبه بقصيدة طويلة كتبتها اليمن على امتداد قرن. تضع يدك على صفحة حياته، فتشمّ رائحة السوق القديم في تعز، وتسمع خفق المصانع الأولى وهي تُدار بقلق البدايات الجميلة، وتلمح البريق في عيون العاملين حين بدأ اسم “هائل سعيد أنعم وشركاه” يتشكل كعلامة على الدقة والثقة واحترام الناس.
رصيده في المجموعة لا يُقاس بعدد السنين، بل بعدد الطلعات التي أطلقها في سماء التنمية اليمنية: طلعات من العمل النظيف، من النزاهة التي لا تُساوم، ومن روح الأسرة التي تحوّلت معه إلى مدرسة اقتصادية واجتماعية تخرّجت منها أجيال.
لقد أحبّ الرجلُ وطنه بطريقة بسيطة وواضحة: بالعمل. لم يحتج إلى خطب طويلة ولا إلى شعارات معلّقة؛ كان يعرف أن التنمية صوتٌ منخفض لكنه مسموع، وأن الأثر الحقيقي لا يكتبه صاحبه بل يكتبه الناس حين يجلسون في ظلاله. وما زالت تلك الظلال – بعد مئة طلعة ومئة عام – تمتدّ على وجه البلاد كعهدٍ باقٍ: أنّ الخير يمكن أن يكون أسلوب حياة، وأن النجاح لا يحتاج ضوضاء، وأن الإنسان يمكن أن يترك أثرًا أعمق مما يقول.
عيد مئة عام سعيد لهذا العميد الهادئ، الذي علّم اليمن أنّ البناء فعل نبيل، وأن من يعمل بصمت يسمعُه الجميع… ولو بعد قرن.