الأخبار نُشر

احتجاجات تلدها مطابخ صنعاء .. الشعب يريد توفير الغاز المنزلي

خلافاً للصورة السائدة والمتمثلة بتظاهرات تهتف «الشعب يريد إسقاط النظام» وأخرى تردد «الشعب يريد علي عبدالله صالح»، شهدت صنعاء أخيراً انبثاق حركة احتجاجية لافتة لم تخرج من معاطف الأحزاب والثكنات، بل انبثقت من رحم المنازل المأزومة ومعاناة ربات البيوت جراء اختفاء مادة غاز الطبخ.

حركة خلت من الشعارات ذات المضمون السياسي والطابع الراديكالي، مكتفية بشعار «الشعب يريد دبات الغاز» رفعه شبان ومراهقون وأطفال لا شأن لهم بالسياسة ولا يعنيهم أمر تغيير العالم أو عسكرته أو أسلمته. كما لا يطمحون إلى الإمساك بسلطة أو التشبث بكرسي بل هم بالكاد قادرون على حمل اسطوانة الغاز. ففيها خلاصهم من «دوشة» الأمهات اللاتي لا يتوقفن عن الزعيق والصراخ تذمراً من عدم وجود وقود للطبخ.

عند الظهيرة وتحديداً بعد عودتهم من المدرسة، تلقاهم يخرجون من الحارات حاملين اسطوانات الغاز الفارغة على اكتافهم أو يدفعونها بأقدامهم أمامهم قبل أن يشكوها في سلسلة حديدية لتبقى متراصة من طرف الشارع إلى طرفه الآخر متماسكة كالجسد الواحد. ثم يقفون امامها مشكّلين معاً حاجزاً بشرياً ومعدنياً يحول دون مرور المركبات ويجبرها على تغيير مسارها.

وعلى رغم «محدودية» حركة الغاز التي سقط فيها قتيل واحد على الاقل وعدد من الجرحى، إلا انها تؤشر الى سلوك جديد تعرفه المدن اليمنية التي قلّما خرج سكانها احتجاجاً على معاناة معيشية على رغم كثرتها واستفحال بعضها.

ولئن اعتبر قطع الطريق سلوكاً يمنياً بامتياز وتحديداً في المناطق القبلية حيث درج بعض سكان هذه المناطق على قطع الطريق العام أو خطف الاجانب بهدف الضغط على السلطات لتحقيق مطالب معينة، إلا انه يندر أن يبدي سكان المدن أي احتجاج يقوم على قضايا معيشية. وباستثناء التظاهرات والمسيرات التي تخرج عادة في مسائل ذات صلة بأحداث دولية او عربية أو قضايا سياسية محلية يندر أن سجل اليمن احتجاجات تنهض على قضايا تتصل بحياة الناس اليومية. وحتى في تلك الحالات التي شهد فيها البلد تظاهرات على خلفية رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع مثل المشتقات النفطية، لوحظ ان التظاهر ينشب نتيجة شلل يصيب الحركة العامة مثل أن يمتنع ملاك وسائل المواصلات عن العمل فيتحول تجمع الناس في الشوارع الى تظاهرة.

ويبدو ان الايجابية الرئيسة لحركة الاحتجاجات والثورات الشعبية السلمية التي تشهدها المنطقة ومنها اليمن، هي تأسيسها لما يمكن أن يشكل وعياً وسلوكاً مدنيين قد يخرجان الناس من سلبيتهم ويدفعان بهم الى الشارع للتعبير عن قضايا مطلبية ومحقة. وهو ما من شأنه أن يعيد الديموقراطية إلى مسارها الصحيح. وتبين تجربة 20 عاماً من عمل اليمن بالنظام «التعددي الديموقراطي» انغلاق الأقنية الديموقراطية ومنها هيئات التميثل الشعبي مثل مجلس النواب وجمودها في شكل يجعلها منفصلة عن الناخبين وهمومهم وقضاياهم. وصارت تلك الهيئات جزءاً من منظومة الفساد الحكومي وقلما احتج اليمنيون عند ممثليهم في البرلمان أو نددوا بتنصلهم من مسؤولياتهم تجاه ناخبيهم ووعودهم الانتخابية لهم.

ولعل ما يؤشر أيضاً الى إمكان أن يتحول الاحتجاج السلمي الى سلوك عام هو تظاهر مجموعة من طلاب الثانوية العامة في صنعاء الاسبوع الماضي احتجاجاً على اقرار وزارة التربية والتعليم مواعيد الاختبارات، في حين أن كثيرين منهم لم يستكملوا دروس المقررات بعد بسبب اضراب المعلمين وتعطل المدارس جراء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتنحي الرئيس اليمني.

وكان الحزب الحاكم والمعارضة تبادلا الاتهامات في شأن احتجاز قاطرات نقل الغاز ما تسبب بأزمة غاز الطبخ ولم تحل المشكلة إلا أخيراً، اذ اعلنت السفارة الاميركية في صنعاء أنها توسطت بهدف الإفراج عن القاطرات ورفع المعاناة عن سكان المدن جراء الأزمة التي أدت إلى إغلاق بعض المطاعم وارتفاع أسعار كثير من السلع والخدمات.

وظهرت سوق سوداء لبيع الغاز بأسعار تصل إلى ثلاثة أضعاف سعره الأصلي. ونشرت الصحافة المحلية وثائق تفيد بأن الحزب الحاكم أوكل لعقال الحارات مهمة توزيع الغاز وأن هؤلاء يقصرون البيع على مناصري الحزب دون سواهم. كما دفعت الأزمة بالبعض إلى إطلاق صفحة على موقع «فايسبوك» بعنوان «مكافحة أزمة غاز الطبخ في صنعاء» استهدفت مناقشة الأزمة وتوفير قاعدة معلومات عن المناطق والمحال التي يمكن أن تتوافر فيها مادة الغاز.

ولئن تباينت وجهات النظر حول إغلاق الشبان لبعض الشوارع حيث اعتبرهم البعض مجرد «ذباب وبلاطجة» ينسبهم البعض الى المعارضة والبعض الاخر الى الحزب الحاكم، إلا أن ثمة من وصفهم بـ «النحل» واصفاً تحركهم الاحتجاجي هذا بـ «الفعل الثوري الاكثر نصاعة وطهورية» لكونه جسد هماً ملموساً ومعاشاً قلما انتبه اليه «فطاحلة الثورات».
 
عن الحياة

مواضيع ذات صلة :