اقتصاد عربي نُشر

خطة استرداد الودائع في لبنان تنذر بحرمان 550 ألف مودع من حقوقهم الكاملة

يواصل ملف استعادة الودائع المصرفية تصدر الأزمة المالية المستمرة في لبنان منذ 2019، وسط خلافات محتدمة بين الحكومة والمصارف والمودعين للوصول إلى تسوية تضمن حقوق المودعين وتحافظ في الوقت ذاته على استمرارية القطاع المصرفي.

خطة استرداد الودائع في لبنان تنذر بحرمان 550 ألف مودع من حقوقهم الكاملة

ويطرح مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع"، الذي أقرّته الحكومة اللبنانية وأحالته إلى مجلس النواب، نفسه كأول إطار تشريعي متكامل لمعالجة هذا الملف، غير أنّ دراسة أعدّتها شركة الاستشارات العالمية "أنكورا"، قد سلّطت الضوء على فجوة كبيرة بين ما ينص عليه القانون نظرياً وما يمكن للمصارف تنفيذه فعلياً.

كشفت هذه الدراسة، التي عُرضت نتائجها على رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في 24 فبراير/ شباط 2026، عن شكوك جدية في قدرة القطاع المصرفي اللبناني على تطبيق الآلية المقترحة لإعادة الودائع إلى أصحابها.

وبيّنت نتائجها أن 6 مصارف فقط ستكون قادرة على مواصلة العمل والاستمرار في دفع حصتها من مبلغ الـ100 ألف دولار للمودعين حتى نهاية السنة الرابعة من بدء تنفيذ خطة الاسترداد، في حال أُقرّ مشروع القانون بصيغته المطروحة آنذاك.

6 مصارف فقط قادرة على الوفاء بالدفعات

وقد جاءت دراسة "أنكورا"، المُعدّة بتكليف من جمعية مصارف لبنان، لاختبار مدى قدرة المصارف فعلياً على تمويل حصتها من هذه الدفعات، كما أبدى صندوق النقد الدولي، الذي يتفاوض مع السلطات اللبنانية على برنامج قروض، مخاوف من مشروع القانون، وحثّ على تعديله بما يضمن احترام تسلسل الأولوية في تحمّل الخسائر بين المساهمين والدائنين والمودعين.

واستندت "أنكورا" إلى بيانات 25 مؤسسة مصرفية تمثل نحو 92% من القطاع، وبحسب السيناريو الأساسي، يتراجع عدد المصارف القادرة على الوفاء بالدفعات تدريجياً من 10 مصارف في السنة الأولى إلى 6 مصارف فقط بحلول السنة الرابعة، من بينها 4 مصارف كبرى فقط، وتُظهر هذه المعطيات أن نحو 550 ألف مودع مهددون بعدم استكمال استرداد أموالهم بالكامل، بقيمة صافية للودائع العالقة تُقدَّر بنحو 29.1 مليار دولار، من أصل إجمالي ودائع مشمولة بالدراسة يبلغ 82.8 مليار دولار.

وتقدّر الدراسة الالتزام النقدي المباشر على المصارف خلال السنوات الأربع الأولى بنحو 9.2 مليارات دولار (40% من كلفة الشريحة النقدية، مقابل 60% يتحملها مصرف لبنان المركزي)، محذّرة من افتقار معظم المصارف للسيولة الكافية، ومن مخاطر تصفية المصارف العاجزة على المودعين، في المقابل، تطرح الدراسة سيناريو بديلاً يقوم على إدراج الاحتياطات الإلزامية (نحو 10.7 مليارات دولار) ضمن حصة المصارف، وهو ما قد يرفع عدد المصارف القادرة على الدفع طوال الفترة إلى 23 من أصل 25 مصرفاً، ويقلّص عدد المودعين المعرّضين للخطر إلى نحو 25 ألف مودع فقط.

وتوصي "أنكورا" بمعالجة التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان بموجب المادة 113 من قانون النقد والتسليف، ودراسة استخدام جزء من احتياطي الذهب، إلى جانب إدماج الاحتياطات الإلزامية ضمن آلية توزيع الخسائر.

وتحذّر من أن إقرار القانون بصيغته الحالية قد يُضعف قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد، مشددة على أن نتائجها تبقى تقديرية وغير نهائية، إذ لم تخضع البيانات المعتمدة للتدقيق الكامل. ومع ذلك، تكشف الدراسة عن فجوة جوهرية بين الالتزام القانوني والقدرة الفعلية على التنفيذ.

في المقابل، يعتبر محامي رابطة المودعين فؤاد الدبس، في حديث لـ"العربي الجديد"، اليوم الجمعة، أنّ جمعية مصارف لبنان، "تُصدر دراسات تخدم مصلحة المصارف ونظرتها الخاصة، بالاتفاق مع بعض الشركات، وكل هذا لكي تتهرب من الدفع"، وأضاف أنّ الأمر الثاني يتعلق بتوقيت إعادة طرح هذا الموضوع الآن، موضحاً أنّ صندوق النقد الدولي كان قد طالب الحكومة بإقرار ثلاثة قوانين أساسية:

    أولها قانون السرية المصرفية، الذي استغرق إقراره ثلاث سنوات وخضع لعدة تعديلات

    وثانيها قانون إصلاح المصارف، الذي أُقرّ منذ سنة، ثم أُعيد تعديله بطلب من صندوق النقد الدولي، من دون أن يأخذ بجميع التعديلات المطلوبة

    أما اليوم، فينصبّ التركيز على قانون معالجة الفجوة المالية، كونه الأساس في توزيع الخسائر، الذي ستعيد الحكومة دراسته مجدداً، تمهيداً لإحالته إلى لجنة المال والموازنة النيابية، ومن ثم إلى مجلس النواب لإقراره.

ويشترط صندوق النقد الدولي، بدوره، لإتمام أي اتفاق مع لبنان، ألّا يبقى مدراء المصارف الحاليون أنفسهم، الذين تولوا إدارتها خلال السنوات الأخيرة، قبل الأزمة وبعدها، في مناصبهم، وهو ما يمثّل، بحسب الدبس، المشكلة الجوهرية بالنسبة إلى المصارف على هذه النقطة تحديداً.

وتابع الدبس: "وكما رأينا الآن، أنّ جمعية المصارف عادت وانتخبت سليم صفير، وحافظت على مجلس إدارتها بعدد الأعضاء الممثلين للمصارف، ووضعوا أيضاً قيوداً معينة على المواقع، لكي لا يدفعوا من جيوبهم، وهذا كله جزء من هذه الحملة"، وأشار إلى أنّ "هناك من يروّج لفكرة أن هذه أزمة نظامية وليست أزمة مصرفية، وحين يبدأون بهذا الطرح، فإنهم يريدون تصوير المشكلة على أنها ليست مشكلة المصارف، بل مشكلة الدولة أو المجتمع. وإلى هذا الحد يريدون أن يصلوا بنا، وهذا أمر لن يمرّ معنا. سنفعل كل ما بوسعنا لوقفه، ولن ننجرّ خلف هذه البروباغندا التي تُبنى عليها كل هذه الدراسات".

أرباح تتجاوز 40 مليون دولار مقابل تعثر دفع الودائع

وفي ما يتعلق بحجم المبالغ المطلوبة من المصارف، قال الدبس: "المبلغ الذي يُفترض أن تدفعه المصارف من أصل الـ100 ألف دولار ليس كبيراً في الحقيقة، إذا ما تحدثنا عن الطبقة الوسطى في لبنان، وكم من العائلات لديها أكثر من 100 ألف دولار؟ بل لنقل 500 ألف دولار، فهذا مبلغ كبير نسبياً".

ومع ذلك، حتى بالنسبة لأصحاب الـ100 ألف دولار، فإن المصارف لا تدفع سوى 40% من المبلغ، وعلى مدى أربع سنوات، ورغم ذلك لم تكن قادرة حتى على الالتزام بهذا القدر، وهذا يعني، بحسب الدبس، حجم الفشل الذي وصلت إليه هذه المصارف.

وأضاف: "نلاحظ أيضاً، من خلال الأرقام التي أُعلنت عن نتائج النصف الأول من هذا العام والتي صدرت عن بنك عودة، أن أرباح هذه المصارف تجاوزت 40 مليون دولار، ونكتشف أن بعض المصارف تلجأ إلى حيل معينة، لأنه ممنوع حالياً توزيع الأرباح، فتقوم برفع الرواتب ومنح المكافآت بدلاً من ذلك. أما المصارف التي لا يمكنها توزيع أرباح على الأسهم العادية بسبب التعميم الصادر عن مصرف لبنان الذي يمنع ذلك، فتلجأ إلى إصدار أسهم تفضيلية، ومن خلالها يتم توزيع الأرباح بطريقة أو بأخرى".

"لا ثقة بالمصارف"

وشدد الدبس على أن "كل هذه البروباغندا التي يحاولون القيام بها هدفها التهرب من المسؤولية، وتحميل الدولة، أي المجتمع، الخسائر، وتركهم هم بمنأى عن الدفع، وهذا الأمر سيستمر ولن يتوقف كما يريدون، لأن المصارف كما هي قائمة اليوم لا توجد فيها أي ثقة، ولن يستخدمها أحد إلا كوسيلة حفظ أموال، أي إن الناس يضعون أموالهم فيها مضطرين لا أكثر".

    الدبس: كل هذه البروباغندا التي يحاولون القيام بها هدفها التهرب من المسؤولية، وتحميل الدولة، أي المجتمع، الخسائر

وختم قائلاً: "أي شخص في هذا البلد يريد أن تُعاد الثقة إلى القطاع المصرفي، من أجل إعادة بناء الاقتصاد ومواكبة التطور الذي نحن بحاجة إليه اليوم، لكن هذه المصارف كما هي قائمة الآن، لا شيء سيتحسن معها، لا وضع البلد، ولا اقتصاده، ولا وضع الناس، ولا الدورة الاقتصادية، ولا أي شيء آخر"، مضيفاً "ما يحدث اليوم، وكل ما ذكرناه، إنما يُستخدم لصالح 30 أو 40 أو 50 عائلة، أو بمعنى آخر، ألف أو ألفي شخص فقط، لكي يبقوا هم مرتاحين، بل أكثر من مرتاحين، يعيشون حياة مرفّهة". وخلص الدبس إلى أن جمعية المصارف تعمل على إبقاء أرباحها المسروقة من دون دفع، وخسائرها من دون تحمّل، مؤكداً أن رابطة المودعين لن تقبل بأن يمرّ هذا الأمر.

جذور الأزمة

تعود جذور الأزمة إلى عام 2016، حين أطلق مصرف لبنان المركزي ما عُرف بـ"الهندسات المالية"، وهي آلية استقطبت من خلالها المصارف ودائع بفوائد مرتفعة لتمويل الإنفاق الحكومي، قبل أن يعجز المصرف المركزي، مع نضوب التدفقات الأجنبية وانهيار سعر الصرف، عن سداد ديونه للمصارف المقدّرة بنحو 80 مليار دولار، وفي عام 2020، تخلّف لبنان عن سداد سندات دولية بقيمة تقارب 30 مليار دولار، ما أدى إلى استبعاده من الأسواق الدولية.

ووافقت الحكومة على مشروع قانون معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، وأحالته إلى مجلس النواب بعد حصوله على موافقة 13 وزيراً مقابل معارضة 9 آخرين، في أول إطار قانوني متكامل تضعه الدولة لمعالجة الأزمة بعد نحو 6 سنوات من التعطل.

وينص المشروع، وفق رئيس الحكومة، على حصول أصحاب الودائع التي لا تتجاوز 100 ألف دولار على كامل مبالغهم نقداً، فيما يحصل أصحاب الودائع الأكبر على هذا المبلغ نقداً أسوة بصغار المودعين، إضافة إلى سندات مصرفية قابلة للتداول تغطي الرصيد المتبقي، مع تقاسم أعباء الفجوة بين المصارف ومصرف لبنان والدولة.

مواضيع ذات صلة :