اقتصاد عربي نُشر

حرائق جيجل تهدد آمال الجزائر في استعادة عرش الفلين

لم تقتصر تداعيات حرائق «الأربعاء الأسود» التي ضربت ولاية جيجل شرقي الجزائر، أواخر أغسطس/آب الماضي، على الخسائر البيئية والمادية، بل امتدت لتطال قطاع الفلين، أحد الأنشطة المرتبطة بالغابات في المنطقة.

حرائق جيجل تهدد آمال الجزائر في استعادة عرش الفلين


ويخشى العاملون في صناعة الفلين من أن تؤدي الحرائق إلى تراجع كبير في كميات المادة الأولية المتاحة، بما قد ينعكس على نشاط المصانع وسلاسل الإنتاج خلال السنوات المقبلة، خصوصاً أن أشجار الفلين تحتاج إلى سنوات طويلة لتعويض الأشجار المتضررة واستعادة قدرتها الإنتاجية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تعمل فيه الجزائر على استعادة مكانتها في السوق الدولية للفلين، وتعزيز حضورها في هذا القطاع الذي يمتلك إمكانات اقتصادية مهمة، ما يجعل الخسائر التي خلفتها الحرائق تحدياً إضافياً أمام جهود تطوير الإنتاج ورفع القدرة التنافسية للمنتج الجزائري في الأسواق الخارجية.
وتُعد ولايتا جيجل وسكيكدة أبرز منطقتين لإنتاج الفلين في البلاد، يأتي هذا في وقت تبذل فيه الجزائر جهوداً حثيثة لاستعادة مكانتها التنافسية في أسواق الفلين العالمية.
وجاءت الحرائق الأخيرة في توقيت موسم جني الفلين والذي يمتد في الغالب بين شهري يونيو/ حزيران ونهاية أغسطس، إذ تسبب ذلك في خسائر كبيرة لهذا القطاع الحيوي، ويُستخدم الفلين بشكل أساسي عازلا طبيعيا ممتازا للحرارة والصوت في البناء، وفي صناعة سدادات العبوات الغذائية والزجاجات.
ويتوقع رئيس التجمع الجزائري لمحولي الفلين صالح بونار، تراجعاً كبيراً في إنتاج المادة الأولية للفلين، في أعقاب حرائق الغابات، قائلا لـ"العربي الجديد": "بالأساس كانت هناك مشكلات في التموين بالمادة الأولية للفلين قبل الحرائق، خاصة بسبب عدم وجود صيانة دورية للغابات التي تعد 80% منها ملكا للدولة، ثم جاءت الحرائق لتفاقم مشكلة الفلين بشكل كبير، وهذا ما دفعنا لتشكيل تكتل (التجمع الجزائري لمحولي الفلين) من أجل العمل على تنظيم قطاع تحويل الفلين وتنميته في الجزائر، والذي يعد قطاع مهما جدا، يمكن له أن يساهم في جلب العملة الصعبة للبلاد، حيث إن 90% من المنتج موجه للتصدير".
وأضاف أن "الحرائق الأخيرة تفرض القيام بدراسة تقنية دقيقة وشاملة نستطيع من خلالها بعث القطاع وتنميته بشكل أفضل وبطريقة علمية فعالة، وانتهاز الفرصة لأجل ذلك، بما يسمح بالوقوف بشكل أفضل لإعطاء صورة أوضح عن الوضع الحقيقي لشجرة البلوط (الفلين) وما تعانيه في محيطها الغابي، والذي أثرت الحرائق بشكل كبير جداً على مردودها الموسمي الطبيعي المعتاد".
وتوجد في جيجل 18 وحدة إنتاج تحويل خاصة أنشأها رجال أعمال يعملون في قطاع تحويل الفلين، وتوفر مناصب شغل دائمة لشباب المنطقة، حيث يتم تصدير جزء كبير من الإنتاج الى الخارج، بالإضافة إلى بعض الوحدات التي تعمل بطريقة غير نظامية، كما يتمركز في المنطقة مركب حكومي "الكاتمية للفلين"، يختص في صناعة الفلين الأسود الممدد والصفائح المخصصة للعزل الحراري والصوتي، بطاقة إنتاج سنوية تبلغ 4500 متر مكعب، إضافة إلى السوق المحلية، وتصدر الشركة إنتاجها إلى فرنسا وايطاليا واسبانيا والبرتغال.
وتمثل أشجار الفلين مصدر رزق لبعض العائلات والشباب في المناطق الريفية والجبلية في جيجل الذين يعملون في جمع لحاء الفلين من الأشجار، بعضهم بطريقة غير نظامية، حيث تراقب مصالح الغابات مثل هذه الأنشطة.
وتشتهر أشجار الفلين في منطقة جيجل بلحائها السميك والمرن الذي يُستخرج منه الفلين الطبيعي، إذ تشير بيانات المديرية العامة للغابات، إلى أن أشجار الفلين تمثل 21% من إجمالي مساحة الغطاء النباتي في الغابات الجزائرية، وتغطي مساحة 350 ألف هكتار، وفي العام الماضي بلغ إنتاج الجزائر من الفلين الذي يدخل في عدد هام من الصناعات، حدود 40 ألف قنطار، وهو معدل إنتاج تراجع كثيرا مقارنة مع عقود سابقة، حيث كانت الجزائر في الستينيات أول مصدر للفلين في العالم، وكانت تنتج في حدود 150 ألف قنطار من الفلين، بينها 60 ألف قنطار تنتجها غابات جيجل لوحدها، في الوقت الحالي لا تصدر الجزائر أكثر مما قيمته بين أربعة إلى خمسة ملايين دولار فقط، حسب بيانات رسمية.
ووفق بيانات نشرتها محافظة الغابات في جيجل في مايو/ أيار الماضي، فإن التوقعات كانت تشير إلى إنتاج بحدود 12 ألف قنطار من الفلين، لكن الحرائق الأخيرة ستجعل الإنتاج أقل بكثير من ذلك.
ويؤكد مسؤول مؤسسة زعيمن لتحويل الفلين، محمد بشير، إلى أن "الأمر المؤسف أن الحرائق جاءت في توقيت جني الفلين، وعانى القطاع في ولاية جيجل من تراجع الإنتاج حيث وسل إلى خمسة آلاف قنطار السنة الماضية".
وأضاف ان القطاع مصدر لجلب العملة الصعبة ويشغل قرابة ثلاثة آلاف عامل بشكل دائم، إضافة الى العمال الموسميين، وكذا العاملين بطريقة غير مباشرة كالناقلين وغيرهم، موضحا أن "الحرائق التي أتت على الغابات ستترك آثارا اقتصادية واجتماعية، وقد تدفع وحدات الإنتاج إلى تقليص عدد من العمال، ما لم يتوفر دعم كاف من قبل الحكومة".
ويؤكد بشير أن "تعويض الخسائر صعب جداً ويحتاج الى وقت طويل مقارنة مع باقي القطاعات الأخرى، فشجرة الفلين تحتاج من 9 إلى 12 سنة لكي تتجدد في حالة نجاتها من الحرائق وتحتاج إلى أكثر من 25 سنة في حالة غرس أشجار جديدة لتصبح قابلة للاستغلال".

العربي الجديد

مواضيع ذات صلة :