تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بعدما أسهمت بيانات التضخم الأخيرة في تقليص رهانات رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر المُقبل، غير أن التراجع المحدود لـ «بيتكوين» يعكس تحولاً هيكلياً في أداء العملة المشفرة؛ إذ لم تعد السياسة النقدية للبنوك المركزية المحرك الوحيد للسوق، بل أصبحت التدفقات المؤسسية وتحركات كبار الحائزين هي القوة الموجهة للأسعار.
وباتت أكبر عملة مشفرة من حيث القيمة السوقية والسعر أكثر ارتباطاً ببيانات الاقتصاد الكلي ومسار أسعار الفائدة، بفضل زيادة التبني المؤسسي وتدفقات صناديق الاستثمار المتداولة.
وفي الوقت ذاته، لم يُبدِ المتداولون تفاعلاً كبيراً مع تحركات محفظة شركة «ميتابلانيت»، أكبر شركة تحوز «بيتكوين» في اليابان، والأمر ذاته مع صفقة «غولدمان ساكس» الأحدث في سلسلة تبني المؤسسات الكبرى للعملة.
تحركات «ميتابلانيت»
سارع الرئيس التنفيذي لـ«ميتابلانيت»، سايمون جيروفيتش، إلى دحض التكهنات بأن شركة خزينة «بيتكوين» اليابانية كانت تتخلص من حيازاتها من العملة، بعد أن رصدت أدوات تتبع البلوك تشين حركة أكثر من 5000 «بيتكوين».
وأكد جيروفيتش أن الشركة لم تبع أي «بيتكوين»، وأنها لا تزال تحتفظ بـ43000 «بيتكوين»، موضحاً أن تحويل 5014 «بيتكوين»، بقيمة تقارب 320 مليون دولار، كان عملية نقل روتينية بين عناوين الحفظ الخاصة بـ«ميتابلانيت»، وليس تصفية.
وجاء هذا التوضيح بعد أن رصدت شركات بيانات البلوك تشين حركة كبيرة في المحفظة، ما أثار قلق المستثمرين، وأشار جيروفيتش إلى أن رسوم الشبكة لنقل العملات كلفت «ميتابلانيت» نحو 8 دولارات.
وتضمنت هذه المعاملات نقل «بيتكوين» من محافظ التخزين البارد التابعة لـ«ميتابلانيت» إلى عناوين جديدة على سلسلة الكتل، والتي لا تزال تحت سيطرة الشركة، دون أن تُحوَّل أي من هذه الأموال إلى منصات التداول.
100000 «بيتكوين»
تُعد «ميتابلانيت» ثالث أكبر شركة مدرجة في البورصة من حيث حيازة «بيتكوين»، والأكبر في آسيا، وعلى الرغم من المخاوف المؤقتة، فإن استراتيجيتها للتجميع لا تزال تسير على المسار الصحيح.
وتستهدف الشركة امتلاك 100000 «بيتكوين» بحلول نهاية عام 2026، و210000 «بيتكوين» بحلول نهاية عام 2027، وفقاً لتصريحات سابقة للرئيس التنفيذي للشركة.
ولتمويل هذا الطموح، قال جيروفيتش إن الشركة جمعت ما يقرب من 255 مليون دولار من المستثمرين المؤسسيين العالميين من خلال طرح أسهم، ضمن حزمة تمويل يمكن أن تصل إلى 531 مليون دولار كتمويل إجمالي.
صفقة «غولدمان ساكس»
وافقت «غولدمان ساكس» على الاستحواذ على شركة «نيوس إنفستمنتس» مقابل ما يصل إلى 2.25 مليار دولار، لتحصل بذلك على منصة تضم صناديق استثمار متداولة للدخل من العملات المشفرة.
كما تحصل «غولدمان ساكس» بموجب الصفقة على أكثر من 30 مليار دولار من الأصول القائمة على استراتيجيات الخيارات، في خطوة تستهدف التوسع في مجال صناديق الاستثمار المتداولة للدخل المرتبط بـ«بيتكوين».
ومن المتوقع إتمام صفقة الاستحواذ على «نيوس إنفستمنتس»، التي تأسست في 2022، خلال الربع الأول من عام 2027، وتدير الشركة 19 صندوقاً متداولاً في البورصة تعتمد على استراتيجيات الخيارات.
ولا تعني الصفقة بالضرورة شراء «بيتكوين» مباشرة؛ لكنها تشير إلى انتقال المؤسسات المالية الكبرى إلى مرحلة أعمق من التعامل مع الأصول الرقمية، عبر بناء منتجات تتيح للمستثمرين الحصول على دخل من تقلبات العملة بدلاً من الاكتفاء بالمراهنة على ارتفاع سعرها.
قصة لم تكتمل
قدمت «غولدمان ساكس» طلباً إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في أبريل لإصدار صندوقها المتداول في البورصة الخاص بدخل «بيتكوين»، مقترحةً منتجاً يعتمد على استراتيجية البيع المغطى، إلا أن الشركة لم تطلقه.
وأشار كبير محللي صناديق المؤشرات المتداولة في «بلومبرغ إنتليجنس»، إريك بالتشوناس، في منشور على منصة «إكس»، إلى أن استحواذ «غولدمان ساكس» على «نيوس» يُرجَّح أن يكون السبب وراء ذلك.
وكتب بالتشوناس: «الآن فهمتُ لماذا لم تُطلق «غولدمان ساكس» منتج البيع المغطى لـ«بيتكوين» الذي قدمت طلباً بشأنه قبل أشهر».
ليست الأولى
تأتي صفقة «نيوس إنفستمنتس» عقب استحواذ «غولدمان ساكس» على شركة «إنفيتور كابيتال مانجمنت» مقابل نحو ملياري دولار، والذي أُنجز في أبريل.
وتستخدم «إنفيتور» استراتيجيات الخيارات للحد من مخاطر الخسارة، وبحسب «غولدمان ساكس»، ستدير الشركة بعد إتمام الاستحواذ أصولاً إجمالية من صناديق الاستثمار المتداولة تتجاوز 130 مليار دولار.
ونما حجم أصول فئة صناديق الاستثمار المتداولة ذات الدخل المشتق إلى ما يقارب 180 مليار دولار على مستوى القطاع، محققاً نمواً سنوياً يزيد على 70% منذ عام 2021، وفقاً لبيانات «مورنينغ ستار».
المعادلة الجديدة
يرى محللون أنه وبينما تراهن «ميتابلانيت» على زيادة كمية «بيتكوين» التي تحتفظ بها، تراهن «غولدمان ساكس» على نمو السوق المحيطة بها؛ وبين الاستراتيجيتين يقف التضخم باعتباره العامل القادر على تغيير تكلفة الأموال وشهية المستثمرين في أي وقت.
وتكشف تحركات «ميتابلانيت» و«غولدمان ساكس» أن سوق «بيتكوين» تدخل مرحلة أكثر تعقيداً؛ فالشركات الكبرى لا تكتفي بالشراء والاحتفاظ، والمؤسسات المالية لا تكتفي بإتاحة التعرض المباشر للعملة، بل تبني حولها منتجات واستراتيجيات مالية جديدة.
وفي المقابل، لا تزال البيانات الاقتصادية الأميركية قادرة على تغيير شهية المستثمرين بسرعة، خصوصاً أن مسار التضخم سيحدد إلى حد كبير قدرة «بيتكوين» على الاستفادة من أي تراجع في رهانات الفائدة.
وبذلك، لم تعد معركة «بيتكوين» مجرد رهان على اتجاه الفائدة؛ فبينما تحاول «ميتابلانيت» زيادة حيازتها، تبني «غولدمان ساكس» طرقاً جديدة للاستفادة من العملة، ويبحث المستثمرون عن إشارة التضخم التالية.
والسؤال الآن: أي من هذه القوى الثلاث سيكسر جمود «بيتكوين» أولاً؟
سي ان ان بيزنس