اقتصاد عالمي نُشر

بنوك بريطانيا تتجه نحو "الترميز الرقمي" لتسهيل ملكية العقارات وخفض التكاليف

تراهن المؤسسات المصرفية في بريطانيا على تقنية "الترميز الرقمي" المستوحاة من عالم العملات المشفرة، وذلك لإحداث ثورة في آليات شراء المنازل وتخفيف الأعباء المالية.

بنوك بريطانيا تتجه نحو "الترميز الرقمي" لتسهيل ملكية العقارات وخفض التكاليف

تأتي هذه الخطوة لتبسيط مسار يعد من الأكثر تعقيداً وإرهاقاً للمستهلكين، حيث تستغرق المعاملات العقارية التقليدية أشهراً من المراسلات البيروقراطية والإجراءات القانونية بين المحامين، والمقرضين، والجهات التنظيمية قبل إتمام البيع.

لكن هذا الواقع قد يتغير جذرياً خلال الأعوام المقبلة مع توجه عدد من أكبر البنوك البريطانية إلى تبني تقنيات مستوحاة من عالم العملات المشفرة لتسريع التعاملات العقارية وخفض كلفها.

وتعمل مجموعة من المؤسسات المصرفية الكبرى على اختبار نظام جديد يعتمد على "الترميز الرقمي" للأصول، وهو مفهوم يستخدم التكنولوجيا نفسها التي تقوم عليها العملات المشفرة مثل "بيتكوين".

ويهدف النظام إلى تحويل الودائع والرهون العقارية وحقوق الملكية إلى رموز رقمية يمكن تداولها وإدارتها عبر شبكات تعتمد تقنية "بلوك تشين"، مما يسمح بإتمام العمليات بصورة أسرع وأكثر كفاءة.

سوق بطيئة ومكلفة

ويستغرق شراء منزل في المملكة المتحدة حالياً نحو 120 يوماً في المتوسط، أي ما يقارب أربعة أشهر، وهي فترة أطول بكثير من عدد من الدول الأخرى مثل أستراليا، إذ يمكن إتمام العملية خلال نحو 35 يوماً وحسب.

وتعود أسباب هذا البطء إلى الإجراءات المرتبطة بنقل الملكية، وتقييم العقارات، والتحقق من المستندات القانونية، فضلاً عن تعدد الجهات المشاركة في العملية.

ويرى مؤيدو التكنولوجيا الجديدة أن بإمكانها تقليص هذه المدة إلى النصف تقريباً، مع خفض احتمالات فشل الصفقات في مراحلها النهائية.

وقال المحلل لدى بنك "آر بي سي كابيتال ماركتس" بنجامين تومز لصحيفة التلغراف، إن اعتماد هذه التقنية قد يوفر نحو 1600 جنيه استرليني (2.151 ألف دولار) من كلفة شراء المنزل الواحد، بينما قد يصل إجمال ما يوفره المستهلك العادي طوال حياته العقارية إلى نحو 8 آلاف جنيه استرليني (10.7 ألف دولار) مع انتقاله بين منازل عدة.

كيف يعمل نظام "الترميز"؟

يقوم النظام الجديد على تحويل الودائع العقارية إلى "رموز رقمية" تمثل الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية، بحيث تصبح أكثر سهولة في النقل والتبادل بين المؤسسات المالية.

وتُسجل هذه الرموز على دفتر حسابات رقمي مشترك يعرف باسم "بلوك تشين"، يتيح تتبع الملكية والمدفوعات بصورة آمنة وفورية.

وفي إطار هذا النموذج، يمكن دمج بيانات العقار وحقوق الملكية وشروط القرض داخل الرمز الرقمي نفسه، بحيث تتم عمليات نقل الملكية أو تنفيذ المدفوعات بصورة آلية عند استيفاء الشروط المحددة سابقاً.

ويمكن أن تتضمن الرموز معلومات قانونية وفنية مرتبطة بالعقار، مما يقلل الحاجة إلى البحث اليدوي وجمع المستندات في كل مرة تتم فيها عملية بيع أو شراء.

تقليص دور الوسطاء

ومن أبرز آثار هذا التحول المحتمل تقليص دور كثير من الوسطاء العاملين في السوق العقارية، فالمحامون المتخصصون في نقل الملكية يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم في جمع المعلومات والوثائق المتعلقة بالعقار والتأكد من سلامتها القانونية، وفي ظل النظام الجديد، يمكن أن تصبح هذه المعلومات متاحة رقمياً بصورة فورية.

ويرى تومز أن المحامين سيواصلون أداء دور مهم في الحالات المعقدة، لكنهم سيقضون وقتاً أقل في الأعمال الروتينية، مما قد يؤدي إلى خفض الرسوم التي يدفعها المشترون.

وقد يتأثر دور وسطاء الرهن العقاري أيضاً، إذ تعتمد مهمتهم الأساسية على جمع بيانات العملاء ومقارنتها بمنتجات التمويل المتاحة في السوق.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي وامتلاك البنوك لكميات كبيرة من البيانات الرقمية عن عملائها، قد تصبح المؤسسات المالية قادرة على أداء هذه المهمة مباشرة.

تجارب مصرفية متقدمة

وبدأت بالفعل بنوك بريطانية عدة باختبار التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا، ويجري هذا الصيف تنفيذ مشروع تجريبي لإعادة تمويل الرهون العقارية ضمن مبادرة "الودائع الرمزية البريطانية الكبرى"، التي تضم مؤسسات مصرفية بارزة مثل "باركليز" و"إتش أس بي سي" إلى جانب بنوك رقمية مثل "مونزو".

أيضاً، تختبر المبادرة استخدامات أخرى للتقنية تشمل المدفوعات بين الأفراد عبر منصات التجارة الإلكترونية، ويعد الرئيس التنفيذي لمجموعة "لويدز" المصرفية تشارلي نان من أبرز المتحمسين للمشروع، إذ يرى أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات الترميز الرقمي قادر على إعادة تصميم عملية شراء وبيع المنازل بالكامل.

وتجري مجموعة "لويدز" المصرفية بالفعل تجارب على أدوات مالية رقمية، وتقول إنها نفذت أول معاملة عامة عبر تقنية الـ"بلوك تشين" في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

كذلك أعلن بنك "نات ويست" تعاونه مع منصة العقارات الرقمية الأسترالية "بيكسا" لتسريع الوصول إلى الوثائق العقارية وتبسيط إجراءات الرهن العقاري.

وقال المدير الإداري لشراء وتملك المنازل في بنك "نات ويست" باري كونولي في مؤتمر عقده أخيراً "هذا يعني أنه لن يضطر أي عميل من عملاء ’نات ويست‘ إلى الجلوس خارج منزله الجديد في يوم الانتقال بانتظار تحويل الأموال".

الترميز الرقمي ومشكلات سوق الإسكان البريطانية

وعلى رغم الحماسة المتزايدة، لا يتفق الجميع على أن الترميز الرقمي سيكون الحل السحري لمشكلات سوق الإسكان البريطانية.

فبعض البنوك الكبرى لم تنضم بعد إلى المشاريع التجريبية، فيما يشكك عدد من الخبراء في قدرة التكنولوجيا على إلغاء الحاجة إلى العنصر البشري.

ورأت مديرة التنفيذ والتطوير في جمعية نقل الملكية العقارية البريطانية بيث رودولف أن التعامل مع الملكيات العقارية يتطلب في كثير من الأحيان أحكاماً قانونية معقدة لا يمكن أتمتتها بالكامل.

وأشارت إلى أن الأنظمة الرقمية قد تساعد في تسريع بعض الإجراءات، لكنها لن تلغي الحاجة إلى مراجعة قانونية بشرية، خصوصاً في الحالات التي تتضمن نزاعات أو تعقيدات تتعلق بملكية العقار، كذلك، يمثل تحديث سجل الأراضي البريطاني وربطه بتقنيات البلوك تشين تحدياً كبيراً قد يستغرق أعواماً.

من جانبه، أعرب المحاضر أول في كلية "بايز" لإدارة الأعمال التابعة لجامعة لندن سيتي فرانسيسك رودريغيز توز عن شكوكه في شأن حدوث تغيرات جوهرية خلال الأعوام القليلة المقبلة.

وحذر من أن العقود الذكية قد تقلل من المرونة التي يتمتع بها النظام الحالي، فعندما يواجه المقترض صعوبات مالية يمكنه اليوم التفاوض مع البنك لإعادة جدولة المدفوعات، بينما قد تصبح هذه الخيارات أكثر تعقيداً إذا كانت شروط الرهن العقاري تُدار تلقائياً من خلال أنظمة رقمية أو مستثمرين يمتلكون العقود.

ثورة مرتقبة

على رغم هذه التحفظات، يعتقد مؤيدو التقنية أن سوق الرهن العقاري تقف على أعتاب تحول تاريخي يشبه التحول الذي أحدثته الهواتف الذكية في الحياة اليومية.

ويؤكد تشارلي نان أن الأعوام الخمسة المقبلة قد تشهد لحظة فارقة في تجربة شراء المنازل، حيث تصبح العمليات العقارية أكثر سرعة وشفافية وترابطاً، بما يغير جذرياً الطريقة التي يتعامل بها البريطانيون مع أكبر استثمار مالي في حياتهم.

 

اندبندنت عربية

 

مواضيع ذات صلة :