الأخبار نُشر

تحلية المياه في الخليج.. ثروة حيوية تحمل أمن المنطقة المائي

تحولت محطات تحلية مياه البحر في الخليج إلى أحد أكثر مرافق البنية التحتية حساسية في زمن الحرب، فهذه المحطات تمثل المصدر الرئيسي لمياه الشرب في دول لا تملك أنهارا دائمة، وتعاني شح الأمطار ومحدودية المياه الجوفية المتجددة، لذلك يمكن لأي توقف طويل أو متزامن لعدد من المنشآت أن يتحول إلى أزمة تمس المنازل والمستشفيات والمصانع والمطارات خلال فترة قصيرة.

تحلية المياه في الخليج.. ثروة حيوية تحمل أمن المنطقة المائي

وأعاد الهجوم الذي تعرضت له محطة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه في الكويت، اليوم السبت، هذا الخطر إلى الواجهة، ما يعني أن الماء دخل في معادلة الحرب، فاستهداف منشأة نفطية يضغط على الصادرات والإيرادات والأسواق، بينما يهدد استهداف محطة تحلية حاجة يومية لا يمكن تأجيلها أو تعويضها بسهولة، كما أن تشغيل محطات التحلية يرتبط بالكهرباء والوقود وشبكات الضخ والخزانات والأنابيب الساحلية، ما يجعل الأمن المائي سلسلة مترابطة يمكن أن تتأثر حتى عندما لا تصاب وحدات التحلية نفسها إصابة مباشرة.

ثلث قدرة التحلية العالمية في الخليج

تستند دول الخليج إلى التحلية بدرجة لا تكاد توجد في أي منطقة أخرى، ووفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية المنشورة في مارس/آذار الماضي، تستحوذ دول مجلس التعاون على نحو 33% من القدرة العالمية لتحلية المياه، بينما تتجاوز حصة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 40%.

وتنتج المنطقة نحو 12 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنويا، يخصص قرابة ثلثيها لمياه الشرب، فيما قدرت وكالة الأنباء الكويتية في مارس/آذار 2024 عدد محطات التحلية في دول الخليج بنحو 157 محطة.

وتوضح هذه الأرقام أن الخليج لا يعتمد فقط على التحلية، وإنما يمثل أيضا مركزها العالمي الأهم. وتوجد في المنطقة منشآت ضخمة يصل إنتاج بعضها إلى نحو مليون متر مكعب يوميا، وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكبر المحطات قد تستهلك من الكهرباء ما يعادل استهلاك مدينة تضم مئتي ألف منزل، ما يكشف حجم الترابط بين أمن المياه وأمن الطاقة.

عشرات المحطات تحمل أمن الخليج المائي

تكشف بيانات الهيئة العامة للبيئة الكويتية حجم اعتماد البلاد على التحلية، إذ أفادت في وثيقتها الوطنية المقدمة بموجب اتفاق باريس للمناخ بأن مياه البحر المحلاة توفر نحو 93% من إمدادات المياه العذبة، كما ذكر تقرير "حالة البيئة في الكويت" أن محطات التحلية تلبي قرابة كامل احتياجات البلاد من المياه العذبة، ونحو 90% من احتياجات مياه الشرب، بينما تمثل المياه الجوفية العذبة احتياطيا استراتيجيا محدودا.

وتضم الكويت ثماني محطات رئيسية لتحلية مياه البحر موزعة على امتداد الساحل، بطاقة إنتاجية إجمالية كانت مقدرة بنحو 3.11 ملايين متر مكعب يوميا، وتشمل محطات الشويخ، والشعيبة الشمالية والجنوبية، والدوحة الشرقية والغربية، والزور الشمالية والجنوبية، والصبية.

وفي السعودية، قال وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن بن عبد المحسن الفضلي، خلال مشاركته في حوار روما للمياه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إن "المملكة أصبحت أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، بطاقة يومية تتجاوز 16 مليون متر مكعب".

وأضاف أن "شبكة نقل المياه تمتد لأكثر من 19 ألف كيلومتر وتغطي أكثر من 82% من المناطق المأهولة، وهو ما يعكس اتساع البنية التحتية التي يعتمد عليها الأمن المائي في المملكة".

وتضم منظومة التحلية السعودية أكثر من 33 محطة موزعة بين ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي، وكانت المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، التي انتقلت مهامها لاحقا إلى الهيئة السعودية للمياه، قد وزعت محطاتها بين ثماني منشآت على ساحل الخليج و25 منشأة على ساحل البحر الأحمر.

وفي الإمارات، قال وزير الطاقة والبنية التحتية سهيل بن محمد المزروعي، بمناسبة اليوم العالمي للمياه في مارس/آذار 2025، إن "الموارد المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها مياه البحر المحلاة ومياه الصرف المعالجة، توفر 53% من إمدادات المياه في البلاد".

 وأضاف أن "الإمارات تضم أكثر من 160 محطة لمعالجة مياه الصرف، بطاقة إجمالية تتجاوز ثلاثة ملايين متر مكعب يوميا، ويعاد استخدام 73% من المياه المعالجة في ري المساحات الخضراء داخل المدن".

وتشير المنصة الرسمية لحكومة الإمارات إلى أن معظم مياه الشرب تنتج عبر 70 محطة رئيسية لتحلية مياه البحر، توفر نحو 42% من إجمالي الاحتياجات المائية في الدولة.

 وتنتشر هذه المنشآت بين أبوظبي ودبي والشارقة والإمارات الشمالية، إلى جانب شبكة أوسع من المحطات والوحدات الأصغر.

وتبلغ القدرة المركبة لمحطات تحلية مياه البحر نحو 1.855 مليار غالون يوميا، بحسب أرقام رسمية أعلنت خلال أسبوع أبوظبي للاستدامة في يناير/كانون الثاني 2025.

ويمنح تعدد المحطات الإمارات قدرة أكبر على توزيع الإنتاج، لكنه لا يلغي حساسية المنشآت الكبرى التي ترفد الشبكات بكميات ضخمة من المياه يوميا.

وتعتمد قطر بدورها على تحلية مياه البحر لتوفير معظم مياه الشرب، فيما تبقى مساهمة الآبار والمياه الجوفية محدودة، وتلبي المياه المحلاة نحو 99% من الطلب البلدي على المياه، بعد أن كانت المياه الجوفية المصدر الطبيعي الأساسي قبل استنزاف جزء كبير منها نتيجة السحب الزراعي وضعف التجدد الطبيعي.

وتضم منظومة إنتاج المياه في قطر تسع منشآت رئيسية موزعة بين الشمال والجنوب، وتتركز أهمها في رأس لفان ورأس أبو فنطاس وأم الحول، وتعمل غالبية هذه المنشآت ضمن مجمعات مشتركة لإنتاج الكهرباء والمياه.

وبلغت القدرة اليومية لإنتاج مياه الشرب المحلاة في قطر نحو 538 مليون غالون يوميا خلال عام 2024، بعد توسعة محطة أم الحول.

وتتوقع كهرماء ارتفاعها إلى 648 مليون غالون يوميا بعد تشغيل المنشأة الجديدة في رأس أبو فنطاس عام 2028. كما تمتد شبكة المياه القطرية لأكثر من 11 ألف كيلومتر، بينما بلغت سعة التخزين نحو 2.417 مليار غالون، ما يجعل الخزانات وشبكات الضخ والنقل مكونا أساسيا في مواجهة أي توقف مؤقت للإنتاج.

وفي البحرين، توضح هيئة الكهرباء والماء أن المياه تنتج من ست محطات تحلية متطورة، تستخدم تقنيات التنقية عبر الأغشية والتحلية بالحرارة، بطاقة إجمالية تقارب 968 ألف متر مكعب يوميا، وتضم المنظومة محطات تعمل بصورة مستقلة وأخرى مرتبطة بإنتاج الكهرباء، للاستفادة من الطاقة والحرارة الناتجة عن التوليد.

وتخطط البحرين أيضا لإضافة محطة مستقلة في الحد بطاقة إنتاجية تقارب 273 ألف متر مكعب يوميا، في إطار زيادة القدرة الإنتاجية وتنويع مواقع الإمداد، ويعكس المشروع حاجة المنامة إلى إضافة طاقات جديدة وعدم ترك الطلب المتزايد معتمدا على عدد محدود من المجمعات الكبرى.

أما سلطنة عُمان فتضم نحو 32 محطة لتحلية المياه، وفقا للتقديرات التي أوردتها وكالة الأنباء الكويتية، وتشمل محطات مركزية كبيرة تمد التجمعات الحضرية، إلى جانب منشآت أصغر تخدم الولايات والمناطق البعيدة، وتختلف المنظومة العُمانية عن بقية الخليج نسبيا بسبب اتساع البلاد وتباعد مراكزها السكانية ووجود شبكات مستقلة في بعض المحافظات، ما يجعل توزيع المحطات جغرافيا عاملا أساسيا في ضمان وصول المياه.

بدائل موجودة لكنها لا تكفي

لا تعني هيمنة التحلية غياب مصادر أخرى للمياه في الخليج، إلا أن معظمها لا يستطيع تعويض توقف واسع في المحطات. وتشمل هذه المصادر المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة، ومياه الصرف المعالجة، وتجميع مياه الأمطار، والسدود، وإعادة تغذية الخزانات الجوفية.

وتبقى المياه الجوفية المصدر الأهم للزراعة في أجزاء واسعة من السعودية وعُمان والإمارات، لكنها تتعرض لضغط كبير نتيجة السحب المستمر وارتفاع الملوحة وضعف معدلات التجدد.

وفي السعودية، أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن خططها تستهدف تقليص استخدام المياه الجوفية غير المتجددة بنسبة 90% بحلول 2035، بعدما ساعدت الإجراءات المتخذة على توفير ثمانية مليارات متر مكعب سنويا من المياه الزراعية غير المتجددة، وزيادة استخدام المياه المتجددة بأكثر من مليار متر مكعب.

أما مياه الصرف المعالجة فتستخدم بصورة أساسية في الري والتشجير وبعض الأنشطة الصناعية، وهو ما يقلل الضغط على المياه المحلاة، وتسعى الإمارات إلى رفع نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 95% بحلول 2036، بعدما بلغت النسبة 73% وفق بيانات 2025، غير أن هذه المياه لا تتحول تلقائيا إلى بديل واسع لمياه الشرب، إذ تحتاج إلى معالجة إضافية وشبكات منفصلة ومعايير صحية صارمة.

    وفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية تستحوذ دول الخليج على نحو 33% من القدرة العالمية لتحلية المياه

وتساهم السدود وحصاد مياه الأمطار في السعودية وعُمان والإمارات بدرجات متفاوتة، إلا أن محدودية الأمطار وارتفاع معدلات التبخر يمنعان الاعتماد عليها مصدرا مستقرا للمدن الكبرى.

وأوضح البنك الدولي، في إبريل/نيسان 2025، أن متوسط نصيب الفرد من المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقدر بنحو 480 مترا مكعبا سنويا، وهو أدنى من عتبة الندرة المائية المطلقة المحددة دوليا عند 500 متر مكعب للفرد، كما تقل الأمطار السنوية في أجزاء واسعة من الخليج عن مئة مليمتر، مع غياب شبه كامل للأنهار والجريان السطحي الدائم. لذلك تعتبر التحلية في معظم دول الخليج قاعدة تقوم عليها إمدادات مياه الشرب.

 

العربي الجديد


 

مواضيع ذات صلة :