آراء وأقلام نُشر

هل نقرأ جديدًا أم نستهلك كلمات؟!

عبدالقوي العديني

لم يعد التحدي الأكبر أمام المؤسسات الإعلامية اليوم هو الوصول إلى الخبر أولًا، بل معرفة من يقف خلفه؛ هل هو عقل صحفي يبحث ويحلل ويضيف، أم نموذج لغوي ينتج نصًا يبدو مقنعًا؟

هل نقرأ جديدًا أم نستهلك كلمات؟!


حتى وقت قريب، كان القارئ يعرف لمن يقرأ، كانت هناك أسماء صنعت مكانتها بالمعرفة والتجربة والبصمة الخاصة، وكان الأسلوب يكشف صاحبه قبل أن يظهر اسمه. أما اليوم، فقد أصبح هذا القارئ أمام سيل هائل من المحتوى المتشابه، حيث تتكاثر النصوص والمواعظ بسرعة تفوق قدرة التمييز بين ما يحمل قيمة حقيقية وما هو مجرد إعادة إنتاج للكلمات، والمشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في وفرتها؛ فالعالم لا يعاني من غياب المحتوى، بل من تراجع المحتوى الذي يضيف معلومة إلى معلوماتك.
وسائل ومقالات يطلون عليك بمقالات ومقدمات جاهزة، وعبارات مكررة، وخواتيم متوقعة، ونصوص يمكن تغيير عناوينها دون أن يتغير مضمونها؛ من علامات هذا النمط العبارات الافتتاحية المستهلكة مثل: "في ظل عالم متغير.." أو "في عصر يشهد تحولات متسارعة.."، التي أصبحت أحيانا قوالب جاهزة يمكن وضعها في أي موضوع. المشكلة ليست في العبارة نفسها، بل عندما تغيب الفكرة خلفها ويختفي صوت الكاتب.
هنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها بتضخم الكلمات وفقر المعرفة، إذ أصبحت صناعة النصوص أسهل من أي وقت مضى، لكن صناعة الفكرة الجديدة مازالت تحتاج إلى عقل يقرأ، وخبرة متراكمة وقلم همام، وثقافة قادرة على الربط بين الأحداث.
الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج مقالات وتحليلات وتقارير كاملة، وهذه ليست المشكلة. فالتقنية يمكن أن تكون أداة مهمة تساعد الصحفي في البحث والتنظيم والتحليل؛ والسؤال الحقيقي هل بقي للكاتب حضور داخل النص؟
فالكاتب الحقيقي لا يملأ الصفحة، بل يضيف إليها ولا يكرر المعنى بصيغ مختلفة، ولا يستخدم الكلمات لإخفاء غياب الفكرة.. وتظهر براعته في جعل كل فقرة تحمل معلومة أو زاوية جديدة، وكل انتقالة تقود القارئ إلى مستوى أعمق من الفهم؛ ليس هذا فحسب، بل مناسبة الفكرة والدلالة والمعنى، والتوقيت؛ فلا تعرف المعرف، ولا تكتب كيف تطلع الشمس من الشرق، إنما اكتب كيف سيبدو المشهد إذا أشرقت على اليمن من Ocean جنوبًا أو البحر غربًا.
حتى لا أطيل وأصب عليكم الملل صبًا، فالنصوص التي تنتج آليًا قد تكون سليمة لغويًا ومنظمة في بنائها، غير أنها كثيرًا ما تفتقد العنصر الأصعب، وهو (الرؤية).. فقد تعرض المعلومات، لكنها لا تفسر العلاقات بينها، ولا تقدم الإجابات قبل السؤال، ولا هي بالتي تفتح بابًا جديدًا للتفكير.
أما الكاتب الحقيقي فتقوده ثقافته وتجربته قبل لغته، ليربط الاقتصاد بالتاريخ، والسياسة بالقانون، والجغرافيا بالاستثمار، ويستطيع أن يرى ما بين السطور؛ فالمعرفة لا تكمن في جمع المعلومات، بل في القدرة على اكتشاف العلاقة بينها وصناعة معنى جديد.
نعم.. في الصحافة تظهر هذه الفجوة بوضوح، فالذكاء الاصطناعي يستطيع تلخيص تقرير مالي أو عرض أرقام السوق، لكنه لا يقرأ ما وراء الرقم.
الصحفي لا يكتفي بمعرفة أن التضخم ارتفع أو أن الاستثمار تراجع، بل يبحث عن الأسباب، ويحلل التأثيرات، ويتمتع بحاسة نقدية، ويسأل من المستفيد؟ ومن المتضرر؟ وكيف سينعكس القرار على السوق والمستثمر والمواطن؟ فالرقم وحده لا يصنع معرفة، وإنما السياق الذي يشرح لماذا ظهر الرقم، وما الذي يعنيه للمستقبل، باختصار الصحفي الماهر هو من يستطيع أن يشم الخبر ويحدد مصدره وأهميته، وتحليله؛ لكتابته أو كسره.
أما الصحافة الاستقصائية فهي المجال الذي يكشف حدود الآلة أكثر، فالتحقيق لا يبدأ بالمعلومة الجاهزة، بل بالسؤال والشك، وقبل ذلك بناء مصادر، ومراجعة وثائق، ومقارنة روايات، والبحث عن التناقضات التي تقود إلى الحقيقة.
"الذكاء الاصطناعي" يستطيع أن يخبرك بما هو منشور، لكنه لا يستطيع وحده أن يكشف ما هو مخفي، ولا يبني علاقة مع مصدر، ولا يلاحظ تفاصيل مقابلة، وانطباعات الصحفي وفراسته وبحسب ملكاته الفطرية المتعددة التي تمنحه قراءة حية للمشهد. ومثل هذه الروايات لا يتمتع بها الروبوتات والذكاء الصناعي حتى الآن كما يفعل الصحفي في الميدان، ولكل صياد قدراته ورزقه المكتوب وحيله الخاصة.
لهذا فإن مستقبل الصحافة لن تحدده القدرة على إنتاج المزيد من النصوص، بل القدرة على إنتاج نصوص تحمل قيمة، فالآلة قد تساعد في صناعة الكلمات، لكنها لاتزال بعيدة عن امتلاك التجربة التي تمنح الكتابة معناها.
الجيد في الأمر هو أن الذكاء الاصطناعي يضع الصحافة أمام اختبار وجودي؛ ليس لأنه قادر على إنتاج النصوص فقط، بل لأنه يعيد طرح السؤال حول وظيفة الصحفي ودوره في عصر أصبحت فيه صناعة الكلمات متاحة للجميع.
فالمرحلة القادمة ستضع الصحفي أمام سؤال أصعب.. هل دوره أن ينقل المعلومات فقط، أم أن يصنع المعرفة ويقدم التفسير والتحليل والرؤية؟ ومن لا يمتلك القدرة على تجاوز النقل إلى الفهم، سيجد نفسه حتمًا خارج مسار التحولات الجديدة في الإعلام.
وفي النهاية، لن يكون السؤال هل كتب المقال إنسان أم آلة؟ بل ماذا أضاف هذا المقال إلى القارئ؟ فالكلمات أصبحت متاحة للجميع، أما المعرفة فستظل بحاجة إلى عقل يبحث، وتجربة تفسر، وكاتب يترك بصمته بين السطور.
حقيقة، لقد أصبحت الكلمات أرخص سلعة في العالم، لكن المعرفة والصناعة الإبداعية ستبقيان أغلى ما ينتجه العقل البشري.


 

مواضيع ذات صلة :