آراء وأقلام نُشر

زيادة استخلاص القمح: استعادة القيمة الغذائية للرغيف وتعزيز الصحة والأمن الغذائي

 بقلم المستشار: محمود إبراهيم النقيب

​انطلاقاً من حرص الدول والمؤسسات الصحية على سلامة مستهلكيها، تتجه معظم السياسات الغذائية الحديثة نحو اتخاذ إجراءات صارمة لزيادة نسبة استخلاص حبوب القمح لتصل إلى 80% فما فوق.

زيادة استخلاص القمح: استعادة القيمة الغذائية للرغيف وتعزيز الصحة والأمن الغذائي

 إن مثل هذه الخطوة لا تُعد مجرد قرار إداري أو تنظيمي عابر، بل هي حدث مفصلي ووقفة جادة تستدعي لفت الانتباه إلى قضية جوهرية: يجب أن يكون الخبز مصدراً للصحة والشفاء، لا سبباً في المرض والضرر. 

​تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة عند النظر إلى الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع؛ حيث يُشكل الخبز عموداً فقرياً وركيزة أساسية لا غنى عنها في كل وجبة غذائية لدى معظم الأسر. ومن هنا، فإن جودة الدقيق المستهلك تؤثر بشكل مباشر ومباشر جداً على الصحة العامة للمجتمع ككل. 

​الدقيق الخالص (الأبيض): الخطر الخفي في رغيفنا اليومي

​يعتقد الكثيرون أن الخبز الأبيض الناصع هو الخيار الأفضل، إلا أن الحقيقة العلمية تؤكد عكس ذلك تماماً. إن عملية تكرير القمح وخفض نسبة الاستخلاص (للوصول إلى دقيق خالص) تعني إزالة القشرة الخارجية (الردة) والبرعم، والإبقاء فقط على النشا. 

​ينتج عن تناول الدقيق الخالص عدة أضرار صحية مثبتة علمياً، أبرزها: 

​ارتفاع حاد في سكر الدم: يحتوي الدقيق الخالص على مؤشر جلايسيمي مرتفع؛ مما يؤدي إلى امتصاص السكر بسرعة قياسية في الدم، ويكسر توازن الإنسولين، وهو المسبب الأول لزيادة معدلات الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. 

​خالي من القيمة الغذائية (سعرات حرارية فارغة): عملية التكرير تسبّب فقدان أكثر من 80% من الفيتامينات والمعادن الطبيعية الموجودة في حبة القمح. 

​مشاكل الجهاز الهضمي: التجريد الكامل للألياف يؤدي إلى خمول الحركة الدودية للأمعاء، مما يسبب الإمساك المزمن، اضطرابات القولون، وزيادة خطر الإصابة بأمراض الأمعاء المختلفة. 

​زيادة الوزن والسمنة: غياب الألياف يجعل الخبز الأبيض غير مشبع، مما يدفع المستهلك لتناول كميات أكبر للوصول إلى الشعور بالشبع، فيتحول السكر الزائد إلى دهون مخزنة. 

الحبة الكاملة والدقيق عالي الاستخلاص: المنجم الغذائي المتكامل

​في المقابل، يُعيد الدقيق عالي الاستخلاص (80% فما فوق) القيمة الأصلية والتكامل الغذائي الذي أودعه الله في حبة القمح. فالقرآن الكريم لم يذكر "الدقيق" بل عبّر بـ "الحَبّ" إشارةً إلى أصل القوت وركيزة الحياة الشاملة في صورته الكاملة التي خلقها الله عليها، حيث يقول تعالى في سورة يس:

​﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (يس: 33)

​إن هذه الإشارة القرآنية البديعة عبر استخدام صيغة "فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ" تُبرز الحبوب كغذاء رئيسي للإنسان، وهو ما يفرض علينا عند طحنها وصناعة الدقيق منها الحفاظ على المكونات الطبيعية الكاملة للحبة كما خلقها الله دون تجريد أو تفريغ من قيمتها.

​ويكتمل هذا المشهد البديع في سورة عبس، حيث يوجهنا الحق سبحانه إلى التفكّر في نِعَمِهِ ومراحل إخراج هذا الرزق من الأرض، مُستعرضاً "الحَبّ" في مقدّمة الأقوات:

​﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إلى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّاً (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّاً (27)﴾

​إن طحن الحبة الكاملة لنحصل على دقيق عالي الاستخلاص يضمن بقاء النخالة والبرعم اللذين يحتويان على الكنز الغذائي الحقيقي:

​غني بالألياف الغذائية الذائبة وغير الذائبة: تعمل الألياف كـ "مكنسة طبيعية" للجهاز الهضمي، حيث تحسن حركة الأمعاء، وتقي من الإمساك والقولون، وتمنح شعوراً طويلاً بالشبع.

​تنظيم مستويات السكر والكوليسترول: تساعد الألياف والبروتينات في بطء امتصاص السكر في الدم، كما ترتبط بالكوليسترول الضار وتساعد الجسم على التخلص منه، مما يحمي القلب والأوعية الدموية.

​مطبخ فيتامينات ومعادن متكامل: يحتوي على نسب عالية من فيتامينات مجموعة (B) - الضرورية للأعصاب ولإنتاج الطاقة - إضافة إلى المعادن الأساسية مثل الحديد، المغنيسيوم، الزنك، والفسفور، وهي عناصر حيوية لمكافحة سوء التغذية وفقر الدم (الأنيميا).

​مضادات الأكسدة والبروتينات: يمنح الجسم البروتينات النباتية اللازمة لبناء الخلايا، ومضادات الأكسدة التي تعزز المناعة وتقي من التهابات الجسم المزمنة.

المسؤولية المشتركة لأطراف سلسلة الإمداد والأسواق: من القرار السياسي إلى وعي المستهلك.

​إن حماية الصحة العامة هي مسؤولية تضامنية تتطلب تضافر جهود جميع أطراف العملية التبادلية:

​1. الإشادة بالسياسات الحكومية والدعم الكامل لقرارات الدولة

​نؤكد هنا على دعمنا المطلق وتأييدنا الشديد للخطوة الشجاعة والمسؤولة التي اتخذتها وزارة الاقتصاد ببدء تطبيق قرار تحديد نسبة استخلاص الدقيق الأبيض بـ 80% كخطوة أولى، والتمهيد لرفعها مرحلياً إلى 86%. 

​كما نُشيد ونثمن عالياً الحملة التوعوية والإعلامية المكثفة والمرافقة التي تقودها وزارة الاقتصاد بالاشتراك والتنسيق المباشر مع الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة.

إن هذه الحملة الرقابية والتوعوية لا تقتصر على إنفاذ القانون ورقابة المطاحن والمخابز، بل تهدف إلى بناء وعي مجتمعي وثقافة غذائية صحية جديدة، إنها خطوة استراتيجية تُترجم الحرص الوطني على صون صحة المواطنين وتقليل الأعباء المرضية والمادية عن كاهل المجتمع. 

​2. مسؤولية القطاع الخاص (المطاحن والمخابز)

​ندعو أصحاب المطاحن والمخابز والتجار إلى التعامل مع هذا التوجّه بحسٍّ وطني وأخلاقي عالي قبل أن يكون مجرد التزام باللوائح والرقابة، إن الاستجابة لقرارات وزارة الاقتصاد والهيئة اليمنية للمواصفات في إنتاج وتوفير دقيق عالي الاستخلاص هو شرف ورسالة نُبل لخدمة المجتمع، وأسلم استثمار في صحة وبناء الوطن. 

​3. المستهلك هو الحاسم: أخي المستهلك.. كن واعياً بما ينفعك وينفع أسرتك

​تظل كل القرارات والحملات الحكومية مجرد خطوة أولى، بينما يكمن حجر الزاوية والفيصل الحقيقي في وعي المستهلك ذاته. 

​يجب أن يعي كل رب وأم أسرة ما ينفعهم وينفع أطفالهم بحق. إن خيارك اليومي عند شراء الخبز والدقيق ليس مجرد سدٍّ للجوع، بل هو قرار بين الصحة والمرض.

يجب أن نتحرر جميعاً من وهم " الخبز الأبيض الناصع والشكل الجذاب" وندرك أن الخبز الأسمر المليء بالنخالة والألياف هو الغذاء الحقيقي والشافي، بينما الخبز الأبيض المكرر ليس إلا نشاءً مجرداً ينزع العافية من أجسادنا وأجساد أبنائنا.

 وعيك أيها المستهلك بفوائد الدقيق عالي الاستخلاص وتمسكك بشرائه هو الذي سيفرض هذا الخيار الصحي في الأسواق ويحميك ويحمي أسرتك. 

​ختاماً

​إن إدامة الصحة تبدأ من سلامة ونوعية الغذاء، ورغيف الخبز ليس مجرد مكمل غذائي، بل هو عصب الحياة اليومية، لنجعل من هذا القرار الحكومي الصائب والحملة الوطنية التوعوية بداية لثقافة غذائية جديدة تُعيد للخبز قيمته كغذاء ودواء، وتضمن لأبناء مجتمعنا صحة أفضل وحياة أصح.


 

مواضيع ذات صلة :