يمتد الحدث ليومين ويركز على سبل تطوير اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة، بحضور وزراء اتصالات عرب و85 خبيراً ومسؤولاً من 15 دولة.
وفي كلمته الافتتاحية، عبّر رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا عبد الوهاب الأفندي، عن تطلعه إلى أن يحقق المنتدى، الذي يهدف إلى مواجهة أبرز تحديات المرحلة، وفي مقدمتها امتلاك التكنولوجيا الرقمية وتطويعها لخدمة اقتصادات المنطقة وتعزيز منفعة البشرية ودفع مسارات التقدم، أعلى درجات النجاح، مشيراً إلى أن المنتدى يجمع بين المعرفة والتطبيق، ويستند إلى جدية المشاركين وأهمية أدوارهم في التصدي لتحديات معقدة تتطلب بناء أطر حوكمة متوازنة تجمع بين التنظيم والانطلاق نحو الابتكار والإنجاز.
وأكد الأفندي أهمية تطوير صيغ فعالة للتعاون وتكامل الجهود، مع مراعاة متطلبات التنافس البنّاء، مشيراً في الوقت ذاته إلى أهمية التعامل الواعي مع الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي بوصفه امتداداً للإبداع الإنساني، والانتباه في الوقت نفسه إلى مخاطره المتنامية التي تستدعي الحذر والاستعداد.
من جهته، أكد الممثل التقني ورئيس مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في قطر، بيبلوف تشودري، أن التحول الرقمي يحقق أثراً كبيراً عندما تتكامل خدمات الاتصال والبنية التحتية الرقمية العامة والتقنيات الناشئة ضمن بيئة سياسات شاملة، مشيراً إلى أن إطار السياسات الرقمية يوفر للدول أداة عملية لتحديد الفجوات وترتيب الأولويات وفقاً لخصوصية سياقاتها الوطنية.
وأضاف أن المنتدى يمثل الخطوة التالية نحو ترجمة الأطر الإقليمية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ على مستوى الدول، مشيداً بالدور المتنامي لدولة قطر في هذا المجال وجهودها في دعم الابتكار وتعزيز البنية التحتية الرقمية.
وقال الرئيس التنفيذي للشؤون القانونية والتنظيمية في مجموعة "أوريد"، هلال محمد الخليفي، إن التحول الرقمي قادر على تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية كبيرة للمنطقة، مشيراً إلى أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل تتطلب سياسات مناسبة وبيئة تنظيمية داعمة، إلى جانب تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.
وأضاف أن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل بالانتقال من وضع الأطر إلى التنفيذ، عبر فهم واقع كل سوق على حدة، وتحديد متطلبات التغيير، والعمل على تحويل السياسات إلى تقدم ملموس.
وانطلقت أعمال المنتدى، الذي تمتد نقاشاته على مدار يومين، بجلسة افتتاحية بعنوان "بناء اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة في المنطقة العربية"، ناقشت مستقبل التحول الرقمي في العالم العربي، والسياسات الكفيلة بتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، وتوسيع فرص الشمول الرقمي، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وناقشت الجلسة، التي شارك فيها وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية اللبناني فادي مكي، ووزير الدولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي الليبي زياد عبد الوارث الحجاجي، ووزير الاتصالات والاقتصاد الرقمي الفلسطيني عبد الرزاق النتشة، ومديرة البرامج الإقليمية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلينا سيلين، والمدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول جواد عباسي، أبرز التحديات والفرص التي تواجه المنطقة العربية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
واستعرض المشاركون الرؤى والسياسات اللازمة لبناء اقتصادات رقمية تعزز التنافسية وتدعم تحقيق التنمية المستدامة، وتسهم في تقليص الفجوة الرقمية بين الدول والمجتمعات، من خلال تعزيز الشراكات الفاعلة بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.
وحول أهمية المنتدى، أكد عميد كلية الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة أيهب سعد، أن السياسات الناظمة للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تمثل محوراً رئيسياً لأعمال المنتدى، في ظل الحاجة المتزايدة إلى تطوير أطر تنظيمية وسياسات متكاملة وبرامج عملية تواكب تسارع هذا التحول وتحدياته، بما يسهم في بناء اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة في المنطقة العربية.
ويأتي المنتدى، الذي ينبثق من "إطار السياسات الرقمية للدول العربية" الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أخيراً، في وقت يشهد فيه العالم تحولاً متسارعاً في دور السياسات الرقمية والذكاء الاصطناعي باعتبارهما من أبرز محركات النمو الاقتصادي وإعادة تشكيل نماذج التنمية. ويسعى المنتدى إلى الانتقال بالنقاش من مرحلة الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي، عبر استعراض إطار السياسات الرقمية للدول العربية، وتبادل الخبرات الإقليمية والدولية، وبحث آليات تطوير سياسات وطنية تدعم الابتكار، وتعزز البنية التحتية الرقمية، وتضمن الاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي.
منظومة متكاملة تخص الذكاء الاصطناعي
وفي تصريحات لـ"العربي الجديد" على هامش المنتدى، قال وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية اللبناني فادي مكي، إن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يعامل كمشروع منفصل عن التحول الرقمي، ولا كمرحلة تأتي في النهاية، بل هو جزء من منظومة متكاملة للحوكمة والتحول الرقمي.
وأضاف أن التحول الرقمي عملية متكاملة تبدأ من الأساسيات، ومنها البنية التحتية الرقمية، والبيانات، والهوية الرقمية، والتشريعات والأطر التنظيمية والرقابية التي تبني الثقة.
وأوضح أن المرحلة التالية تشمل إعادة هندسة الخدمات وتطوير المنصات والتطبيقات، مع التركيز على العنصر البشري والتبني والاستخدام الفعلي للتكنولوجيا، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يأتي في هذه المنظومة باعتباره أحد أهم الممكنات لتسريع التحول، ورفع كفاءة الخدمات، وتسريع إجراءات الاعتماد واتخاذ القرار والوصول إلى الخدمات.
وقال مكي إن حوكمة الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً من منظومة الحوكمة الرقمية الشاملة، مع تحديد الجهة المسؤولة بوضوح، وأدوار الوزارات والهيئات والجهات الرقابية.
تجارب ناجحة في الذكاء الاصطناعي
ورداً على سؤال لـ"العربي الجديد" عن إمكانية بناء اقتصاد رقمي عربي ينتج التكنولوجيا والمعرفة، وليس مجرد استهلاكهما، قال المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول جواد عباسي، إن هناك قصص نجاح مهمة في الأردن ومصر والسعودية والإمارات وغيرها، مشيراً إلى أن شركات استطاعت الوصول إلى مستثمرين وأسواق خارج حدود دولها.
وأوضح أن ذلك يفتح المجال أمام الشباب العربي والشركات الناشئة لإنتاج خدمات ومنتجات رقمية يمكن تسويقها عالمياً، وليس فقط داخل البلد الذي نشأت فيه.
وأضاف أن تطور التكنولوجيا، مثل منصات الربط المفتوحة في قطاع الاتصالات، يجعل من الممكن تطوير خدمة في دولة وربطها بشركات اتصالات وأسواق في دول أخرى، بما يخفف ارتباط المنتج الرقمي بالحدود الجغرافية.
ومع ذلك، أشار عباسي إلى أن المنطقة العربية ما زالت في جوانب كثيرة مستهلكة للتكنولوجيا أكثر من كونها منتجة لها، مؤكداً أهمية تطوير المنظومة التعليمية والتشريعية والاقتصادية بما يتلاءم مع متطلبات الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة.
وأوضح أن من أهم الفرص المستقبلية التجارة الإلكترونية، والبرمجيات، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، ومراكز البيانات، وقدرات الحوسبة السحابية.
وأضاف عباسي أن شركات الاتصالات تمثل إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الرقمي، ليس فقط لأنها توفر خدمات الهاتف المحمول والإنترنت، بل لأنها تستطيع أن تكون شريكاً أساسياً في بناء البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، وخدمات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز المحتوى واللغة العربية رقمياً.
وقال إن شركات الاتصالات يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في السيادة الرقمية، وفي توفير البنية التي تحتاجها الدول لتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
فرصة لتقليص فجوة التنمية
تقف الدول العربية أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل اقتصاداتها عبر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، إلا أن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرتها على تجاوز فجوات البنية التحتية والمهارات والشمول الاقتصادي، وليس فقط على حجم الاستثمارات في التكنولوجيا.
وتشير أحدث بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 70% من سكان الدول العربية يستخدمون الإنترنت، مقابل 74% عالمياً، فيما تصل تغطية النطاق العريض المتنقل إلى نحو 95% من السكان.
غير أن الفجوة داخل المنطقة لا تزال واسعة؛ إذ يبلغ استخدام الإنترنت نحو 83% في المدن مقابل 50% في المناطق الريفية، ونحو 75% بين الرجال مقابل 64% بين النساء.
وتبرز دول الخليج في مقدمة المنطقة من حيث الجاهزية الرقمية، مدفوعة بالاستثمارات الكبيرة في شبكات الاتصالات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن دول مجلس التعاون اقتربت من سد الفجوة الرقمية مع الاقتصادات المتقدمة في عدد من مؤشرات الوصول والاستخدام الرقمي.
وتحتل الإمارات والسعودية وقطر مواقع متقدمة عربياً في البنية الرقمية والخدمات الحكومية الإلكترونية والاستثمار في التقنيات الناشئة، فيما تمتلك دول عربية أخرى، أبرزها مصر والأردن والمغرب وتونس، ميزة مهمة تتمثل بالقاعدة البشرية الكبيرة وتوافر الكفاءات التقنية والأسواق الواسعة، لكن الانتقال إلى اقتصاد رقمي منتج يواجه تحدياً أساسياً يتمثل بالمهارات.
ووفق دراسة للبنك الدولي شملت أكثر من 276 ألف إعلان وظيفي إلكتروني في ست دول عربية، فإن 37% من الوظائف المعلنة تتطلب مهارة رقمية واحدة على الأقل، فيما أصبحت مهارات الذكاء الاصطناعي حاضرة في نحو 23% من الوظائف الرقمية.
ولا ينفصل التحول الرقمي عن الاستدامة. فالمنطقة العربية تمتلك إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والهيدروجين وكفاءة استخدام المياه والطاقة، فيما شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025 إضافة نحو 12 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة.
وتؤكد المؤشرات أن الدول العربية تمتلك المقومات الأساسية لبناء اقتصادات رقمية، لكن بدرجات متفاوتة. فدول الخليج تتقدم في البنية والاستثمار، بينما تمتلك دول عربية أخرى مزايا بشرية وسوقية كبيرة.
ويبقى التحدي في تحويل هذه المزايا إلى اقتصاد رقمي عربي متكامل يقوم على ثلاثة محاور: الابتكار والإنتاج، والشمول الاجتماعي والمالي، والاستدامة البيئية، فالاقتصاد الرقمي لا يقاس بعدد الهواتف أو سرعة الإنترنت فقط، بل بقدرته على خلق وظائف عالية القيمة، ورفع الإنتاجية، وتمكين النساء والشباب، ودعم الشركات الناشئة، وتوفير فرص متساوية بين المدن والمناطق الأقل حظاً.
وتملك المنطقة، إذا نجحت في ردم فجوة المهارات وتسهيل حركة رأس المال والبيانات والخدمات الرقمية بين الدول العربية، فرصة لتحويل سوقها التي تتجاوز 400 مليون نسمة إلى واحدة من أكبر الأسواق الرقمية الناشئة عالمياً.



