وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة الدولة على الالتزام بالزيادات المبرمجة في أجور الموظفين خلال الفترة المقبلة، في ظل احتمال ارتفاع كبير لنفقات المحروقات والطاقة والقمح. ويترقب التونسيون منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي الأمر الحكومي المتعلق بنسبة زيادة الأجور التي جرى إقرارها ضمن موازنة العام الجاري. ويفترض وفق الموازنة أن تخصص تونس هذا العام نحو 900 مليون دينار (310 ملايين دولار) لزيادة رواتب أكثر من 670 ألف موظف في القطاع الحكومي، مع تفعيل القطاع الخاص للزيادة بالنسبة ذاتها التي سيحددها الأمر الحكومي. غير أن الزيادة المحتملة لنفقات الطاقة والغذاء تثير مخاوف بشأن تأخير الزيادة في الرواتب في حال استمرار الحرب لفترات أطول نتيجة ضعف هوامش التحرك الحكومي وارتباك الموازنة العامة.
واعتمدت الحكومة التونسية في إعداد ميزانية 2026 فرضية سعر لبرميل النفط في حدود 63.3 دولاراً، وهي فرضية تسمح بالتحكم نسبياً في نفقات الدعم الطاقي، غير أن أي ارتفاع كبير في الأسعار العالمية بسبب الحرب يمكن أن يغيّر هذه الحسابات بشكل جذري. كما أقر قانون موازنة العام الحالي، الذي دخل حيز النفاذ بداية يناير/كانون الثاني، صرف زيادات سنوية في رواتب موظفي القطاعين الحكومي والخاص وجرايات المتقاعدين تمتد إلى عام 2028، من دون تحديد النسبة أو موعد الصرف. ويتطلع موظفو تونس إلى زيادة ترمم قدراتهم الإنفاقية المنهكة بالتضخم بعد فشل البرلمان في فرض مادة ضمن قانون الموازنة تضمن صرف زيادات لا تقل نسبتها عن 7%.
خيار صعب
ويرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية معز السوسي أن ارتفاع نفقات الدعم بشكل مفاجئ قد يضع الحكومة أمام خيار صعب بين الحفاظ على الزيادات المبرمجة في الأجور أو تأجيلها مؤقتاً للحفاظ على توازنات الميزانية، مؤكداً أن أي زيادة كبيرة في أسعار النفط قد تدفع الدولة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصاً أن دعم الطاقة والغذاء يُعد التزاماً اجتماعياً يصعب تقليصه سريعاً من دون تداعيات اجتماعية وفق قوله. وقال السوسي في تصريح لـ"العربي الجديد" إن صعوبة القرار تكمن في أن تأجيل الزيادات في الأجور قد يثير توترات اجتماعية في ظل تآكل القدرة الشرائية، في حين أن زيادة أسعار الطاقة أو الخبز قد تؤدي إلى موجة تضخم جديدة، معتبراً أن الحرب الإيرانية تضع الحكومة أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على التوازنات المالية وضمان الاستقرار الاجتماعي.
ورجح السوسي أن تلجأ السلطات إلى استعمال مخصصات الاستثمار المقدرة بأكثر من 5 مليارات دينار (1.7 مليار دولار) لتقليص الضغوط على الموازنة وتفادي الحلول الاجتماعية الصعبة على غرار تأجيل زيادة الرواتب أو التعديل التدريجي في أسعار الطاقة. وقال: "تكشف هذه التطورات مدى هشاشة الاقتصاد التونسي أمام الصدمات الخارجية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والغذاء، فكل ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على الميزانية العمومية ويضيق هامش المناورة أمام صانعي القرار". ومع ذلك يرى السوسي أن السلطات التونسية تتجنب الخيارات الاجتماعية الصعبة، ما يجعل تأجيل الزيادة في الرواتب أمراً مستبعداً وفق تقديره. ويعود آخر اتفاق زيادة في الرواتب وقعته تونس إلى شهر سبتمبر/أيلول 2022، وأفضى إلى زيادات في الأجور لسنوات 2023 و2024 و2025. وتتعامل السلطات التونسية بحذر مع ملف الزيادة في الأجور، مؤكدة أن أي زيادة جديدة في الأجور يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التوازنات المالية للدولة، خاصة في ظل ارتفاع كتلة الأجور التي تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق العمومي.
هامش محدود
في المقابل أظهرت أغلب المؤشرات الاقتصادية والدراسات أن الطبقة الوسطى في تونس التي مثلت سابقاً نحو 60% من السكان أصبحت طبقة متأرجحة تميل نحو الفقر بفعل الغلاء وارتفاع كلفة الحياة، مقابل استمرار ضعف المداخيل وتراجع الخدمات العامة التي كانت تستفيد منها شبه مجاناً، ما جعلها تتآكل وتصل إلى نحو 30% بحسب أحدث الإحصائيات.
وقال الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي في تصريح سابق لـ"العربي الجديد" إن هامش التحرك الحكومي بشأن الزيادات في الأجور يبقى محدوداً في ظل الالتزامات المالية الداخلية والخارجية وصعوبة تعبئة موارد إضافية من دون تعميق العجز أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض.
وأكد الشكندالي أن الدولة رصدت نفقات بقيمة 900 مليون دينار (310 ملايين دولار) خلال قانون الموازنة الحالي للزيادة في الرواتب وتنفيذ برنامج الانتدابات الجديدة، حيث زادت كتلة الأجور لتصبح 25.3 مليار دينار (8.6 مليارات دولار) مقابل 24.4 مليار دينار (8.4 مليارات دولار) العام الماضي. ورجح أن تلجأ الحكومة في حال عدم كفاية مخصصات الزيادة في الرواتب إلى المبلغ المرصود بعنوان النفقات الطارئة والمقدر بـ 1.8 مليار دينار (620 مليون دولار)، غير أن توافر هذا الحيز المالي يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تعبئة موارد جبائية وموارد الاقتراض الخارجي.



