الأخبار نُشر

الذكاء الاصطناعي: المحرك الجديد للثروة العالمية

تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود الاستخدامات التقليدية كتحسين البحث أو صناعة المحتوى، ليصبح القوة الأكبر في إعادة توزيع الثروة عالمياً منذ ثورة الإنترنت، فخلال سنوات معدودة، أسهمت الطفرة الهائلة في قطاع التقنيات التوليدية وبنيتها التحتية في بروز جيل جديد من المليارديرات والمستثمرين الذين تضاعفت ثرواتهم بمعدلات غير مسبوقة.

الذكاء الاصطناعي: المحرك الجديد للثروة العالمية

هذا الأمر لم يقتصر على شركات ناشئة صغيرة، بل دفع شركات عالمية مثل أوبن إيه آي وإنفيديا وأمازون ومايكروسوفت إلى مستويات تاريخية من التقييمات السوقية والاستثمارات، في مشهد اقتصادي يرى فيه كثير من المحللين بداية "عصر اقتصادي جديد" تقوده الخوارزميات والبيانات والحوسبة الفائقة.

الذكاء الاصطناعي.. ماكينة ضخمة لصناعة الثروة

بدأ التحول الحقيقي مع الانتشار الواسع للنماذج التوليدية مثل شات جي بي تي، حيث أدركت الشركات والمستثمرون أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة تقنية، بل بنية اقتصادية كاملة قادرة على إعادة تشكيل قطاعات بأكملها مثل البرمجة والتعليم والإعلام والتسويق والخدمات المالية والرعاية الصحية.

وخلال العام الماضي والعام الحالي، شهدت شركات الذكاء الاصطناعي أكبر موجة تمويل في تاريخ التكنولوجيا الحديثة، فقد أعلنت أوبن إيه آي عن جولات تمويل ضخمة رفعت تقييمها إلى مئات المليارات من الدولارات، مع استثمارات هائلة من شركات مثل أمازون وإنفيديا وسوفت بنك.

ووفق تقارير حديثة، جمعت أوبن إيه آي وحدها أكثر من 110 مليارات دولار في واحدة من أكبر جولات التمويل الخاصة بتاريخ قطاع التكنولوجيا، ما دفع تقييم الشركة إلى مستويات فاقت 700 مليار دولار، مع توقعات بوصولها إلى تريليون دولار مستقبلا.

هذا التدفق المالي الضخم خلق ثروات هائلة ليس فقط للمؤسسين، بل أيضا للموظفين الأوائل والمستثمرين وصناديق رأس المال المغامر.

ظهور "الأثرياء الرقميين الجدد"

بحسب تقرير حديث نشرته مجلة فوربس (Forbes) الأمريكية، فقد أضافت طفرة الذكاء الاصطناعي عشرات المليارديرات الجدد إلى قائمة أثرياء العالم خلال عام 2026 فقط.

والتقرير أشار إلى أن 45 مليارديرا جديدا ظهرت ثرواتهم بشكل مباشر بسبب شركات الذكاء الاصطناعي، سواء عبر تطوير النماذج اللغوية أو صناعة الرقائق الإلكترونية أو بناء البنية التحتية للحوسبة السحابية.

ومن أبرز المستفيدين كان سام ألتمان الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة أوبن إيه آي المطورة لشات جي بي تي، وجينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة إنفيديا التي تعد العملاق المسؤول عن تصنيع الرقاقات الإلكترونية والمعالجات الرسومية التي تشغل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة أنثروبيك المطورة لنموذج كلود، وهي المنافس المباشر لـ أوبن إيه آي، وقد أسسها بعد أن انشق هو وشقيقته دانييلا أمودي عن أوبن إيه آي إثر خلافات حول توجهات الشركة.

إضافة إلى إيلون ماسك الذي يمتلك ويقود عدة شركات أبرزها تسلا للسيارات الكهربائية، وسبيس إكس للفضاء، ومنصة إكس، وشركة الذكاء الاصطناعي الناشئة إكس إيه آي (xAI) المطورة لروبوت غروك (Grok)، كما كان ماسك أيضا أحد المؤسسين المشاركين لشركة أوبن إيه آي مع سام ألتمان في عام 2015 قبل أن ينفصل عنها لاحقا.

كما ظهرت شركات ناشئة جديدة تحولت خلال أشهر قليلة إلى كيانات بمليارات الدولارات، مثل شركات النماذج اللغوية الأوروبية والصينية ومنصات توليد الصوت والفيديو بالذكاء الاصطناعي.

ويقدر تقرير آخر أن الثروات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وصلت إلى نحو 2.9 تريليون دولار عالميا، مع وجود أكثر من 114 مليارديرا ترتبط ثرواتهم بشكل مباشر بهذا القطاع.

إنفيديا.. الرابح الأكبر

إذا كان الذكاء الاصطناعي هو "النفط الجديد"، فإن شركة إنفيديا أصبحت بمثابة الشركة التي تبيع أدوات التنقيب عنه.

فالطلب الهائل على وحدات معالجة الرسومات (GPU) المستخدمة في تدريب النماذج الذكية أدى إلى انفجار غير مسبوق في قيمة الشركة السوقية وأرباحها، وأصبح اسم إنفيديا مرادفا للبنية التحتية الأساسية للذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد عليها معظم الشركات الكبرى لتشغيل نماذجها.

هذا النمو انعكس مباشرة على ثروة رئيسها التنفيذي جينسن هوانغ، الذي أصبح أحد أغنى الشخصيات في العالم بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي. كما توسعت الشركة من مجرد مصنع للرقائق إلى لاعب استثماري ضخم داخل منظومة الذكاء الاصطناعي نفسها، عبر استثمارات مباشرة بمليارات الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي.

ويرى محللون أن السيطرة على الحوسبة أصبحت أهم من السيطرة على البرمجيات نفسها، لأن تدريب النماذج العملاقة يحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة وطاقة كهربائية هائلة وشرائح معالجة متقدمة يصعب على الشركات الصغيرة توفيرها.

اقتصاد جديد قائم على البيانات والحوسبة

التحول الحالي لا يشبه فقط طفرة الإنترنت في التسعينيات، بل ربما يتجاوزها من حيث السرعة وحجم الأموال المتدفقة.

فالاقتصاد الجديد بات يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية، وهي البيانات والقدرة الحاسوبية والنماذج الذكية، ومن يملك هذه العناصر يملك القدرة على بناء شركات تتجاوز قيمتها مئات المليارات خلال سنوات قليلة فقط.

وقد أوضحت أوبن إيه آي أن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي تضاعف عدة مرات خلال عام واحد، مع توسع استخدام الأنظمة الذكية داخل الشركات والمؤسسات حول العالم.

هذا النمو دفع المستثمرين إلى ضخ أموال هائلة في مراكز البيانات والطاقة والبنية السحابية، لأن تشغيل الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرات حوسبة غير مسبوقة.

هل تتكرر فقاعة الإنترنت؟

رغم الأرقام الضخمة، يحذر بعض الاقتصاديين من احتمالية تشكل فقاعة ذكاء اصطناعي شبيهة بفقاعة شركات الإنترنت مطلع الألفية.

فالكثير من شركات الذكاء الاصطناعي تُقيّم اليوم بمليارات الدولارات رغم أنها لا تحقق أرباحا فعلية حتى الآن، كما أن المنافسة الشرسة تتطلب إنفاقا هائلا على الرقائق والطاقة والبنية التحتية، ما قد يؤدي إلى انهيارات مستقبلية لبعض الشركات.

لكن المدافعين عن القطاع يرون أن الوضع مختلف هذه المرة، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل منتجا مستخدما يوميا داخل المؤسسات والأسواق، وليس مجرد فكرة مستقبلية.

كما أن الحكومات نفسها بدأت تعتبر الذكاء الاصطناعي قضية أمن قومي واقتصادي، خصوصا مع احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين للسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

الجانب المظلم للثروة الجديدة

ورغم الازدهار المالي، بدأت تظهر مخاوف اجتماعية متزايدة من اتساع فجوة الثروة بسبب الذكاء الاصطناعي. فبينما يحقق المستثمرون والمهندسون في الشركات الكبرى ثروات ضخمة، يواجه كثير من العاملين التقليديين مخاطر فقدان وظائفهم بسبب الأتمتة والأنظمة الذكية.

وتشير التقارير إلى أن بعض العاملين في وادي السيليكون أصبحوا يشعرون بقلق وجودي رغم تضخم ثرواتهم، بينما يخشى آخرون من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى خلق طبقة دائمة من المتضررين اقتصاديا.

ويحذر اقتصاديون من أن تركيز الثروة داخل عدد محدود من شركات الذكاء الاصطناعي قد يمنح هذه الشركات نفوذا اقتصاديا وسياسيا غير مسبوق، خاصة مع تحكمها في البيانات والبنية التحتية الرقمية العالمية.

مستقبل الثروة في عصر الذكاء الاصطناعي

المؤشرات الحالية توضح أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد قطاع تقني إضافي، بل البنية الأساسية للاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل.

ومن المرجح أن نشهد خلال السنوات القادمة المزيد من المليارديرات المرتبطين بالذكاء الاصطناعي، وتوسعا هائلا في مراكز البيانات والبنية السحابية، وإعادة تشكيل سوق العمل العالمي، إضافة إلى انتقال الثروة من الصناعات التقليدية إلى الاقتصاد الرقمي، في ظل تصاعد المنافسة بين الدول للسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويؤكد المراقبون أن العالم يقف أمام لحظة تاريخية تشبه بدايات الثورة الصناعية أو عصر الإنترنت، لكن بسرعة أكبر وتأثير أعمق؛ فالذكاء الاصطناعي لا يخلق فقط أدوات جديدة، بل يعيد تعريف مفهوم الثروة والقوة الاقتصادية نفسها، فاتحا الباب أمام طبقة جديدة من "الأثرياء الرقميين" الذين تُبنى إمبراطورياتهم على الخوارزميات والبيانات والحوسبة العملاقة.

 

المصدر: الجزيرة + وكالات


 

مواضيع ذات صلة :