اليمن اليوم أمام مفترق طرق ، يعاني أزمات معقدة ويواجه تحديات كبيرة ، وهو يحتاج إلى إرادة سياسية وشعبية لتجاوز مرحلة صعبة والانطلاق نحو بناء الدولة الجديدة.
ويحتاج اليمن إلى استلهام تجارب النهضة في بلدان نامية استطاعت اللحاق بركب الدول المتقدمة من خلال مشروع طموح يهتم بالعلم والتنمية، وتعد التجربة الماليزية أنموذجا رائدا على مستوى العالم ... في الحوار التالي يتحدث مؤسس النهضة ورائد التجربة الماليزية ، مهاتير محمد عن مقومات النجاح للحكومات والشعوب، ويقدم رئيس الوزراء الماليزي الأسبق في حديثه لـ «الاستثمار» ، نصائح ثمينة للحكومة اليمنية.
الآن، كيف تنظرون إلى نجاحكم في بناء نهضة ماليزيا؟
النهضة أصلا بدأت قبل أن أتولى منصب رئاسة الوزراء بدأت الخطة لنهضة ماليزيا من رؤساء وزراء سابقين كل ما فعلته أنا كان التعجيل والإسراع بتنفيذها على نحو يمكننا من اللحاق بركب التطور . لقد كان هدف جميع رؤساء الوزراء السابقين هو نمو الاقتصاد وخلق فرص عمل ولذلك احتجنا أن نتجه نحو أن نكون مجتمعا صناعيا وكنت شخصيا مهتم بشكل كبير بجعل ماليزيا بلدا صناعيا فكنت أوجه وأقوم بعمل تعزيز للسير في طريق بناء هذا المجتمع.
بمناسبة الحديث عن الانترنت واستخدامها كيف يرى دكتور مهاتير إسهام الخطاب الاليكتروني وأهميته؟
بالنسبة لي أنا استخدم موقعي على الانترنت (blog) لأنها أسهل في إصدار المعلومة ومشاهدتها من قبل أكبر قدر من الناس محررين شبابا أو أي شخص يمكن أن يشاهد ويفهم بطريقة أفضل في أغلب الأحيان لا أملك الوقت الكافي لعمل المقابلات ولذلك أتجه إلى استخدام الانترنت. الانترنت مصدر مهم وأساسي للمعلومة يمكنني أن أعرف عن اليمن من الانترنت فقط أدخل جوجل وأقوم بكتابة كلمة يمن وسأحصل على جميع المعلومات المطلوبة عن اليمن تاريخيا وحتى الوقت الحاضر .والأجيال الشابة يجب أن تستفيد من التكنولوجيا بقدر أكبر من استفادة الأجيال السابقة . نحن دائماً نسأل رجال المال والأعمال: ماذا تريدون منَّا، ونحاول إزالة العقبات أمامهم
في نظر د مهاتير محمد ماهي أفضل الطرق لخلق قيادات إدارية واعية ومهنية في الدول النامية والاستفادة منها في عملية التنمية؟
في الأساس الدول النامية تحتاج لتدريب الكوادر والقيادات الموجودة بوضعها تحت برامج إدارة عملية وفي كليات إدارة خاصة متخصصة مما سيعطيهم الكم الأكبر من التعليم والخبرة وهذه الكليات يجب أن تكون ملتصقة بعملها البحثي مع السوق وإلى السوق ويجب عند خلق مدراء ناجحين وخاصة في القطاع الخاص أن يكون لديهم الوعي الكافي فيما تستطيع الحكومة تقديمه وماهية الامتيازات التي ستساعدهم بها الحكومة. على سبيل المثال كيف يحصلون على رأس المال وكيف يستطيعون القيام بإدارته وماهية الشروط والضوابط لذلك.كل هذه العوامل تؤثر في تطوير وخلق بيئة مناسبة للمدراء الناجحين والمدراء الناجحين هم من المجتمع وإذا تطور المجتمع تطور المدراء فهذا نتاج حلقة متكاملة من التطور الشامل . تنمية المجتمع مهمة جدا لأن المطلوب لأي دولة هو خلق بيئة مستعدة لتقبل تطور الاقتصاد . في الماضي كانت دور الحكومة يهتم فقط في سن القوانين وتطبيقها ولم يكن هناك الكثير من الاهتمام بمساعدة القطاع الخاص والاتجاه إلى تفعيل دوره وإطلاق العنان للسوق والاستثمار أما الآن فقد تم معرفة أن تطور الاقتصاد ينعكس على تطور الفرد تعليميا وإنتاجيا ولذلك وجب على أي حكومة لخلق بيئة اقتصادية متطورة أن تفتح أسواقها وتساعد الناس على إنشاء أعمالها وتدعم بكافة الوسائل وجود بيئة تجارية عالية المستوى. نحن في ماليزيا خلقنا ما يسمى بتجربة الحكومة الصديقة للاستثمار نحن دائما نريد أن نعرف ماذا يريد منا رجال الأعمال توفيره لهم .ونحاول قدر الإمكان العمل على إزالة العقبات لهم. نسأل دائما المستثمرين الأجانب ماهية العقبات التي تواجههم عند القدوم إلى ماليزيا لنجعل ماليزيا بيئة أفضل لقدوم المستثمرين. لقد خلقنا في ماليزيا مفهوم ماليزيا دولة المؤسسات والشركات حيث القطاع الخاص والحكومي يقومان بالتعاون معا لخلق الفائدة لهما ولهذا نحن نعمل ونهتم على أن يكون القطاع الخاص في أفضل حاله لأننا نعلم أنه إذا كسب القطاع الخاص كسبنا ضرائب مقدارها 28% وأفضل ما في ذلك أنهم هم من يستثمرون ويديرون ونحن من نربح وننمو أنه لشيء جميل. من العوائد نحن نبني الطرقات والسدود وجميع ما تتطلبه البنية التحتية. لقد قمنا بالتركيز في ماليزيا على القطاع الصناعي بشكل كبير بالنسبة للاستثمار نظرا لأنه يخلق الكثير من فرص العمل كان لدينا بطالة كبيرة جدا. قطعة أرض صغيرة تزرع فيها وتحصد لا توظف إلا أعدادا قليلة من الناس لكن نفس قطعة الأرض لو بنيت بها مصنعا لاستوعبت الكثير من الأعداد للعمل فيها.
زيارتكم إلى اليمن ، ما هي تفاصيلها؟
حسنا.لقد تم توجيه الدعوة لي من اليمن وأعتقد أن اليمنيين يملكون الرغبة في المعرفة والاستفادة من التجربة الماليزية لمعرفة ما إذا كانت التجربة الماليزية يمكن الاستفادة منها سأقوم بالحديث عن ذلك في اليمن وسأقوم بالإجابة على أسئلة المهتمين على سبيل المثال كيف تم تطوير ماليزيا ومراحل التطور ولماذا اتجهنا إلى القطاع الاليكتروني والصناعي وكيف يتم اختيار القطاع المطلوب لتغطية الاحتياجات على سبيل المثال إذا كان البلد فيه كثير من البطالة وعدد كبير من السكان يحتاج لتبني سياسة اقتصاد اليد العاملة وإذا كان هناك القليل من السكان ومتعلمون جدا نحتاج إلى سياسة اقتصاد الإنتاج التكنولوجي .
نحن في اليمن مهتمون جدا بالاستثمار وخلق بيئة جيدة للاستثمار من واقع تجربتكم هل من الممكن أن تحددوا لنا ماهية أهم العوامل التي تؤثر في جذب الاستثمار وخاصة لبلد مثل اليمن ؟
اليمنيون الذين نراهم في الخارج ناجحون جدا في التجارة والمال والأعمال إنهم ينمون البلدان التي يعملون فيها ويتسمون بالنجاح والتميز نجدهم في سنغافورة وماليزيا واندونيسيا وناجحين أيضا في السياسة ويتميزون بالثراء الشديد إنهم يملكون القصور هنا ويعيشون فيها وفي اليمن يظهر أنهم غير ذلك. من الأفضل عليكم الإسراع في تطوير البنية التحتية والقيام بتحسين القوانين من فترة لأخرى .من الأفضل أيضا عدم العجلة والتسرع في جني نتائج الاستثمار لقد انتظرت ماليزيا خمسين عاما وأخذنا الكثير من الوقت لنصل إلى ما وصلنا إليه، لا تستطيعون عمل كل شيء بسرعة ولكن تهيئة البيئة هي المهم. إن لدى اليمن ميناء تاريخي مهم هو ميناء عدن. بالنسبة لنا في ماليزيا عندما كنا تحت الاستعمار البريطاني لم يسمحوا لنا بتطوير موانينا لم نكن أيضا نستطيع مجاراة سنغافورة لقد عبث البريطانيون بمدينة ملاكا في ماليزيا ولم يسمحوا بتطويرها لم يسمحوا أيضا بتطوير ميناء بينانج ولكن عندما حصلنا على استقلالنا قمنا بتطوير موانئنا بأنفسنا . في التسعينات عندما كنت رئيسا للوزراء قمنا بعمل مقارنة بين ماليزيا وسنغافورة بالنسبة للموانىء وأدائها والنتيجة الغير متوقعة كانت أن سنغافورة البلد الصغير يستوعب في السنة إثني عشر مليون حاوية في ذلك الوقت من عدد ميناءين إثنين وماليزيا البلد الكبير كان يستوعب فقط مليون حاوية ، قررنا إعادة حساباتنا وعمل خطة لتطوير الموانىء كانت هناك رغبة ملحة لمعرفة السبب وراء ذلك فقمنا بإرسال وزراء إلى سنغافورة وقابلنا أيضا شركات الشحن والبواخر وقلنا لهم إننا نعطيكم مميزات إضافية ولدينا الكثير من الواردات والصادرات وقمنا بتهيئة البيئة للتطوير في الموانىء واليوم ميناء مدينة كلانج لوحده يستوعب 6 ملايين حاوية وميناء آخر في أوتانيا يستوعب 5 ملايين حاوية، ميناءان في ماليزيا فقط يستوعبان 11 مليون حاوية هذا لا يعني أن سنغافورة لم يرتفع استيعابها ولكننا بالتخطيط والعزيمة والعمل المتواصل قمنا بتحقيق أهدافنا.كان من الواجب علينا لجذب الاستثمار القيام بالترحيب برأس المال الخارجي لأنه يخلق فرص عمل كثيرة لقد كان من نتيجة ذلك أن أرسلنا طلابنا إلى بلدان قريبة عهد بالتنمية ككوريا واليابان لم نرسلهم إلى أوربا بكثرة لأن الأوربيون قد مضى وقت طويل على تجارب التنمية ومصاعبها وقد نسوها لم نكن نرغب لطلابنا أن يتعلموا العلم فقط لكن أن يعيشوا حالة النمو في هذه البلدان.
نحن في اليمن مهتمون جدا بمسألة إنشاء سوق مالية وبحكم خبرتكم ماهي أهم العوامل المساعدة على نجاح أي بلد تريد إنشاء سوق مالي في نظر الدكتور مهاتير محمد؟
إنشاء سوق مالي في أي بلد يجب أن يكون له علاقة بالنظام التجاري العالمي، أي بلد يحتاج إلى السيولة والسيولة يجب أن تكون على علاقة كاملة مع منتجات الدولة نفسها.المشكلة الآن أن التجارة في هذه الأسواق المالية العالمية تمثل عشرين ضعف السيولة الموجودة والحقيقية، نحن نعلم ذلك لأنه في ماليزيا عملتنا حصل لها إعادة تقييم في السابق ونقص في القيمة التدخل الحكومي مهم في هذه الأسواق لمنع التلاعب والمضاربات الفاشلة.
اليمن وماليزيا لديهم علاقات تاريخية وخاصة يترجم ذلك في كثير من التعاون والتنسيق على سبيل المثال في التعليم نحن في اليمن نهتم كثيرا بتجربة ماليزيا لتطوير التعليم كيف يرى دكتور مهاتير محمد هذه العلاقة اليوم ؟
أغلب الماليزيين الذين ينحدرون من أصول عربية في ماليزيا هم من اليمن أصلا بالرغم من أنهم لم يعودوا يتقنون التحدث باللغة العربية إنهم يتكلمون الملاوية لهجة البلد الأصلية يستطيع هؤلاء أن يقوموا بالمساهمة أكثر في تطوير العلاقات بين البلدين.المشكلة في أن العلاقات التجارية وبالذات مجال الاستيراد والتصدير لم ترق إلى المستوى المطلوب نحتاج إلى تحديد وبدقة ماذا نستطيع أن نأخذ منكم وما هو المطلوب لتصديره إليكم. الكثير من الماليزيين من أصول يمنية وممن عادوا إلى اليمن بالذات يمكن أن يساهموا في تطوير العلاقة لقد كنت مندهشا عندما زرت اليمن في المرة الماضية من أن أجد أحد مؤسسي حزب امنوا الحاكم في ماليزيا موجود هناك وقابلته. يعني ذلك أننا نملك مقومات الترابط لجعل العلاقات أكثر قوة.
اليمن تقدمت بطلب انضمام إلى مجلس التعاون الخليجي وقد تم ضمها إلى بعض مؤسسات المجلس في طريقها إلى الانضمام الكلي كيف يرى دكتور مهاتير محمد اليمن داخل دول مجلس التعاون؟
حسنا.إن اليمن تمتلك الكثير من المغتربين وهم سفراء لبلدانهم الذين عاشوا في هذه الدول ويعملون فيها وساهموا في التنمية هناك يستطيعون المساهمة في تعجيل الانضمام للمجلس . إن انضمام اليمن لمجلس التعاون هو شيء إيجابي وفي الحقيقة اليمن الأفضل لأن تنظم، نحن في ماليزيا لدينا مجلس دول شرق آسيا لأننا نؤمن أنه من الأفضل التكتل لمواجهة التحديات وليس لتحدي بعضنا البعض، واليمنيون متميزون في الخارج ويستطيعون الإسهام في داخل بلدهم بما لديهم من خبرة.
تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي كيف يرى دكتور مهاتير محمد واقع المسلمين وماهي النصيحة التي يقدمها للشباب المسلم وكيف يرى واقع العالم الإسلامي مع التحديات التي تواجهه اليوم؟
لازال المسلمون مقصرين في اللحاق بركب التطور يجب أن نركز نحن كمسلمين على التعليم والتعليم بقسمه العلمي بالذات في القرن الخامس عشر عندما كان دور الكنيسة هو السائد كان هناك عزوف من قبل الغرب لدراسة العلوم وكان المسلمون واللغة العربية هي السائدة لأنهم تعلموا من الجريك والهنود، استطاع المسلمون في ذلك الوقت أن يبنوا حضارة كبيرة لأنهم تعلموا جيدا حين كان الآخرون يعيشون في الجهل ثم جاءت مرحلة العزوف عن العلم والاتجاه إلى العلوم النظرية من قبل المسلمين بعض العلماء قام بمحاربة الاتجاه لدراسة العلوم فخسر المسلمون في المقابل الكثير من الريادة على حساب ذلك اتجه الغرب للاستفادة من العلوم التي أبدع فيها المسلمون وطوروا حضارتهم لقد تعلم الغرب العربية وحصلوا على الكتب الإسلامية من بغداد ومن قرطبة لهذا السبب تطوروا وأنتجوا أسلحة متقدمة ليس فقط أسهم ورماح ولكن أسلحة حقيقية. يجب علينا العودة إلى التعاليم الحقيقية للإسلام حيث يقول الله لنبيه محمد إقرأ ماذا تعني أي أحصل على العلم جميع أنواع العلم لقد تعلم المسلمون القدماء وأفادوا الأمة ليس كما الآن نحن لا نملك إسلاما واحدا نحن لدينا ألف إسلام: شيعة سنة، وهابية.... لقد أنزل الله القرآن ونبيه جاءنا بدين واحد فقط لم يقل لنا كونوا شيعة أو سنة إننا نتقاتل في العراق وباكستان واليهود والغرب يصفقون.
كيف يقضي دكتور مهاتير محمد يومه العادي ؟
آتي إلى المكتب في الصباح باكراً كالعادة كأنني أعمل في مكتبي في رئاسة الوزراء وأعود متأخرا ليلا أكتب مذكراتي وأقدم استشارات للشركات وأسافر للحديث عن تجربة ماليزيا ولدي موقع في الانترنت أجيب فيه على الأسئلة والاستفسارات من مختلف شرائح المجتمع وأحظر وأكتب لخطبي بنفسي التي ألقيها في الندوات والمؤتمرات في بعض الأحيان أرتجل الحديث ولكن في أغلب الأحيان أقوم بكتابة أحاديثي وخطبي بنفسي.
مجلة الاستثمار- العدد 40 مايو 2012م



