عربي ودولي نُشر

الاقتصاد الأردني بين محدودية الموارد والقدرة على التنافس

منذ الثمانينيات والجميع في الأردن «يشكو الفقر من العصر» كما يقال للتعبير عن حالة فقر مدقع مستمر، أدى الفقر بنا الى الاقتراض ومزيد من الاقتراض الى أن بلغت مديونية الأردن 15.2 مليار دولار في نهاية عام 2009، وفقا لما أعلنته وزارة المالية الأردنية، أي بنسبة تتجاوز ستين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما قفز العجز في الموازنة العامة عام 2010 إلى 1.5 مليار دولار ليصبح العجز الأكبر في تاريخ المملكة.
«هذا العجز المخيف في الموازنة أدى إلى مزيد من الفقر، حيث أظهرت الدراسات والمسوحات التي تجريها دائرة الإحصاءات العامة الأردنية أن خط الفقر الأردني يواصل ارتفاعه ليصل إلى 680 دينارا سنويا في عام 2010، بعد أن كان يعادل 556 دينارا للفرد سنويا في العام 2006، كما ارتفع عدد جيوب الفقر من 22 جيباً في عام 2006 إلى 32 جيبا في عام 2008. كذلك فقد بلغ عدد الفقراء في الأردن عام 2010 إلى ما نسبته 13.3 بالمئة من السكان، يعيش 10 بالمئة منهم بأقل من دينار واحد في اليوم، وبلغت ذروة المأساة في عام 2007 عندما كشفت صحيفة » الدستور « الأردنية في عددها الصادر في 17/10/2007 أن مواطنا في منطقة إربد » مات من الجوع.
«هذا الفقر يدفعنا، لإحداث » الإصلاحات الاقتصادية اللازمة للخروج منه إلى مزيد من الاقتراض، لعلنا نخرج من دائرة الفقر وهذا بدوره يزيد عجز الموازنة وهكذا.
«أما الأثر الكارثي لهذه الصورة فقد أكده الدكتور رجائي المعشر، نائب رئيس الوزراء وزير الدولة سابقا في مقابلة تلفزيونية له في عام 2010 مع برنامج ستون دقيقة حيث قال: » وإذا استمر العجز بالموازنة بألف مليون دينار وألف ومئة مليون دينار خلال خمس سنوات فيصبح العجز مساويا للدخل القومي الأردني، ما يعني ان المديونية سوف تصبح 15 أو 16 بليون دينار... بعد عشر سنوات او سبع سنوات اذا استمررنا بهذه السياسة أو استمرت الحكومات المتعاقبة في اتباع سياسة تمويل العجز عن طريق الاقتراض، فسوف نرجع إلى بدايات مشاكلنا الاقتصادية وإعادة العمل ببرامج التصحيح التي وضعت وهو يقصد بذلك اللجوء، مرة أخرى، إلى صندوق النقد الدولي للمساعدة في ترتيب شؤون الأردن المالية، مذكرا بان الجميع قد دفع الثمن عندما لجأت الأردن في السابق الى برامج الصندوق.
«قد يظن البعض أن العوامل التي رسمت هذه الصورة البائسة هي أن الأردن بلد محدود الموارد، لكن دراسة للمرصد الاقتصادي في الجامعة الأردنية أعدت في تشرين الأول 2010 وأشرف عليها الدكتور طالب عوض عنوانها » تنافسية الاقتصاد الأردني: عناصر القوة والضعف، هذه الدراسة بينت أن الاقتصاد الأردني، كما كل الاقتصاديات في العالم، له عناصر قوة وله عناصر ضعف. وعناصر ضعفه عوامل يمكن علاجها لتصبح عناصر قوة تدفع عجلة الاقتصاد الى الأمام.
تستند الدراسة في تحليلها ونتائجها على تقرير الملتقى الدولي الاقتصادي حول التنافسية الدولية والذي ترتب فيه معظم دول العالم وفقا لمعايير ومؤشرات اقتصادية تمكن من تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وهو ما يسمى مؤشر التنافسية العالمي Global Competitiveness Index.
«ووفقاً لهذا التقرير فإن » تنافسية الدولة تعرف بمجموعة المؤسسات والسياسات والعوامل التي تحدد الإنتاجية الاقتصادية الكلية للأمة. ما يهمني في نتائج الدراسة هو أن الأردن كان قد حاز في تقرير التنافسية الأخير عام 2009/ 2010 على المرتبة رقم 50 أو ما يعادل المرتبة الخامسة على صعيد الدول العربية، وهو ترتيب جيد جدا في رأيي بالنسبة لاقتصاد كنا نظنه لا يملك من المقومات التي يمكن أن تدعمه. ورغم أن الدراسة تبين بأن الأردن وتونس احتلتا المرحلة التنموية الثانية نفسها، الا أن تونس حصلت على مرحلة متقدمة مقارنة بالأردن (بفارق 10 درجات).
تطرح الدراسة تساؤلا حول الأسباب التي تقف وراء تأخر الأردن مقارنة بتونس ومقارنة بأدائها في العام السابق؟
خلصت الدراسة إلى النتائج التالية:
1- رغم أن كفاءة المؤسسات في الأردن حازت على أعلى ترتيب الا أن مؤشر الاستقرار الاقتصادي الكلي جاء في المرتبة الأخيرة مما يشير إلى:
- تأثر تنافسية الاقتصاد الأردني سلبيا بسبب عناصر عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، والمتمثلة في العجز في الموازنة والعجز التجاري إضافة الى مشكلة المديونية الخارجية.
- حدوث تدهور في مؤشر السيطرة على الفساد، وخاصة فيما يتعلق بمؤشر الكفاءة الحكومية والمساءلة والمحاسبة العامة الذي شهد تدهورا ملموسا ومستمرا إبتداء من عام 2005.
2- أقل ترتيب كان من نصيب مؤشر كفاءة سوق العمل، ما يشير إلى وجود اختلالات هيكلية حادة في هذا السوق تتعلق بمستوى تأهيل القوى العاملة، والعمالة الوافدة، وثقافة العيب التي تؤدي إلى الترفع أو العزوف عن بعض المهن. هذه العوامل انعكست بشكل قوي على وضع الأردن التنافسي.
3- أقوى عنصر كفاءة في الأردن تمثل في التعليم العالي يليه كفاءة أسواق السلع والخدمات.
4- جاء في المرتبة الثانية من حيث تدني علامة الأداء والكفاءة مؤشر حجم السوق الأردني، وذلك لصغر السوق من حيث الحجم والقوة الشرائية.
5- على صعيد الابتكار والتطوير والتشابك الصناعي، حصل الأردن على رتبة أفضل نسبيا في مجال تطور شبكات وتجمعات الأعمال التجارية والصناعية، في حين أن ترتيبه من حيث الابتكار والتطوير ما زال ضعيفا وبحاجة إلى مزيد من الجهد والتطوير.
مما سبق يتضح أن اقتصاد الأردن يملك من العناصر التي تمكنه من التنافس في الأسواق العالمية، رغم محدودية موارده، لكن الفساد، بالاشتراك مع العوامل الأخرى، يقلل من هذه القدرة؛ ما يؤكد العلاقة الوثيقة بين الفساد والقدرة التنافسية للاقتصاديات الوطنية، لأن الأموال المنهوبة تحرم قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبحث العلمي والبنية التحتية من التمويل الذي تكون في أمس الحاجة إليه.
لكن التكلفة الباهظة للفساد تكمن في تأثيره السلبي على الناس الذين هم عماد النهضة في أي اقتصاد، فهو يشيع روح اليأس والبغضاء بينهم؛ ما يضعف روح الإنجاز، والمبادرة، والابتكار لديهم، وهذا بدوره يزهق القدرة التنافسية لدى الدول.
«إن الصورة السابقة رغم قتامتها تشير أن تحسين الوضع التنافسي الأردني، وإن كان ليس بالمهمة السهلة، الا أنه ليس مستحيلا ويحتاج من صانعي القرار أولا الى الإرادة الصادقة والصلبة في التعامل مع عناصر القوة والضعف في اقتصادنا، وثانيا الى اختيار الأشخاص المؤهلين للتعامل مع هذا الوضع بصورة فعالة وناجحة. وقبل كل ذلك محاربة الفساد الذي يمتص أقوات الناس وأرواحهم، عندها فقط سوف يقول الأردنيون: » سيروا ونحن من ورائكم.
 
 
 
 

 

 

مواضيع ذات صلة :