ولم تحدد الشركة، التي تتخذ من نيويورك مقراً، والتي تقدم الاستشارات والحلول التكنولوجية للمقرضين في قطاع التمويل العقاري، هوية أي من عملائها المتضررين، ولم يقدم "جيه.بي مورجان تشيس" ولا "سيتي" ولا "مورغان ستانلي" أي رد بعد على طلبات من وكالة رويترز للتعليق.
وقالت "سايتِس إيه.إم.سي" إن البيانات المتأثرة شملت معلومات للشركات مرتبطة بتعاملات بعض العملاء معها، مثل المستندات المحاسبية والعقود القانونية.
ونقلت الصحيفة عن مدير مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي، كاش باتيل، القول في بيان: "نعمل من كثب مع المؤسسات المتأثرة وشركائنا لفهم مدى التأثير المحتمل، لكننا لم نحدد أي تأثير تشغيلي على الخدمات المصرفية"، ولم يتسنَ لرويترز الوصول إلى مكتب التحقيقات الاتحادي بعد للتعليق.
وقال بيان "سايتِس إيه.إم.سي" إنه جرى احتواء الواقعة، وإن الخدمات مستمرة بكامل طاقتها، مضيفة أن الهجوم لم يشمل أي برمجيات خبيثة للتشفير.
وبينما تحاول الجهات التنظيمية تجنب المخاطر النظامية، تفتح القيود المشددة الباب أمام إعادة تشكيل هيكل السوق المالية وتقوية دور اللاعبين غير المصرفيين، وفي الوقت الذي يتوسع فيه استخدام العملات المستقرة ويزداد تأثيرها بالتدفقات المالية العالمية، سيبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق توازن بين الابتكار والاستقرار دون تفكيك الإطار التنظيمي الدولي.
بدوره، قال إريك ثيدين، رئيس لجنة بازل للإشراف المصرفي لـ"فاينانشال تايمز"، إن القواعد العالمية التي تُلزم البنوك بالاحتفاظ برأس مال ضخم مقابل أصول الكريبتو تحتاج إلى إعادة صياغة، بعدما رفضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تطبيق وزن المخاطر المرتفع البالغ 1,250% على العملات المستقرة، واعتبر ثيدين أن النمو السريع لسوق العملات المستقرة، الذي بلغ نحو 300 مليار دولار بدعم من إدارة ترامب والتشريعات الأميركية الأخيرة، يستدعي مقاربة مختلفة، خصوصًا أن قواعد بازل الحالية صُممت في مرحلة كان التركيز فيها على بيتكوين.
تقلّبات السوق وانعكاساتها على الإطار التنظيمي
شهدت أسواق العملات المشفّرة خلال العامين الماضيين تقلبات حادة، إذ فقدت الأصول الرقمية أكثر من نصف قيمتها من ذروتها في عام 2021، قبل أن تستعيد جزءًا محدودًا من خسائرها في مطلع 2024، ثم تعاود الهبوط مع تشديد السياسات النقدية عالميًّا وارتفاع معدلات الفائدة، هذا التراجع لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بمجموعة من العوامل البنيوية التي أعادت طرح السؤال حول جدوى توظيفات البنوك في أصول تتسم بارتفاع المخاطر وضعف الشفافية.
فأحداث الانهيار الشهيرة مثل سقوط منصة FTX في نهاية 2022، وانهيار مشروع Terra–Luna الذي أطاح بما يقارب 60 مليار دولار من القيمة السوقية خلال أيام، شكّلت نقطة تحول دفعت المنظمين، وعلى رأسهم لجنة بازل، إلى تشديد موقفهم. هذه الانهيارات كشفت هشاشة البنية التحتية للسوق الرقمية، واعتمادها الكبير على سيولة مضاربية غير مستقرة، إضافة إلى غياب الضمانات المؤسسية الكفيلة بحماية المستثمرين، بالتالي، رأى العديد من البنوك المركزية أن على الإطار التنظيمي أن يعكس حجم هذه المخاطر، ما أدى إلى اعتماد وزن مخاطر 1,250% ضمن قواعد بازل.
إلى جانب ذلك، تسببت دورات الفائدة الأميركية المرتفعة في سحب السيولة من الأسواق عالية المخاطر، وعلى رأسها الأصول المشفّرة، ومع ارتفاع عوائد السندات التقليدية، تراجعت شهية المستثمرين للمغامرة، مما ضغط على أسعار العملات الرقمية ودفعها إلى مستويات أدنى، وقد أدى هذا التراجع المتواصل إلى تآكل الثروة الرقمية التي أغرت ملايين المستثمرين خلال الطفرة السابقة، ومعها تقلّصت التدفقات الداخلة إلى شركات الكريبتو والمنصات والبورصات العالمية.
وتشير بيانات شركات الأبحاث إلى أن حجم التداول في العديد من منصات الكريبتو الكبرى انخفض بأكثر من 40% خلال الأشهر الأخيرة، بينما تراجع نشاط DeFi بنحو 30%، ما يعكس حالة انكماش حقيقي في السوق. وحتى العملات المستقرة، التي كانت تُقدَّم بوصفها بديلًا آمنًا نسبيًّا، شهد بعضها فقدانًا للربط، وأزمات ثقة متكررة، أبرزها أزمة USDC في مارس 2023 عندما اهتزّ ربطها بالدولار إثر تعثّر أحد البنوك الشريكة.
في هذا السياق من التراجع والضبابية، برزت مخاوف لدى لجنة بازل من أن أي انكشاف مصرفي كبير على الكريبتو قد يعرّض النظام المالي لضغوط في حال تجدد انهيار الأسعار، أما أميركا والمملكة المتحدة، ورغم إدراكهما المخاطر، فقد اختارتا عدم تطبيق القواعد الأكثر تشددًا بدافع الحفاظ على تنافسية قطاع التكنولوجيا المالية المحلي، وتشجيع الابتكار في سوق تُعد من الأسرع نموًّا عالميًّا.
ووسط هذا المشهد المتقلب، تتواجه مقاربتان اقتصاديتان: مقاربة احترازية مشددة ترى أن انهيار الكريبتو الأخير دليل على ضرورة حماية القطاع المصرفي عبر أوزان مخاطر مرتفعة، ومقاربة مرنة ترى أن الإفراط في التشدّد سيُخرج البنوك من السباق التكنولوجي، ويترك السوق في يد مؤسسات الظل المالي غير المنظمة.
العربي الجديد


