شارع الصحافة نُشر

عالم ألماني يتنبأ بزوال الصحف المكتوبة

Imageير مستقبل الصحافة المكتوبة، ومستقبل الصحافة الإلكترونية التي تزحف على كل المؤسسات الإعلامية، كثيرا من الجدل في العالم. وإذ يتكهن بعض الباحثين بزوال وانهيار مؤسسات صحافية كبيرة وتراجع بعضها الآخر إلى الوراء بسبب تخلفها عن اللحاق بركب الثورة التكنولوجية، يرى البعض الآخر مستقبل الصحافة في الصحافة الإلكترونية والرقمية.
 
وكان الباحث الألماني فيليب ماير، من المعهد الألماني لأبحاث الميديا والاتصالات، قد أثار عاصفة من الجدل من خلال تقريره المعنون «الصحافة الزائلة» الذي نشره في مجلة «تزايت» الأسبوعية المعروفة.

إذ يتنبأ الباحث بزوال الصحافة المكتوبة (التقليدية) حتى عام 2040 ويتوقع تقلص عدد عمالقة المؤسسات الصحافية في عالم مقبل من المنافسة وحرب البقاء للأصلح. وكان معرض فرانكفورت الدولي للكتاب قد سبق ماير باستطلاعاته حول مستقبل الكتاب التقليدي قبل خمس سنوات حينما تنبأ بانقراض الكتاب الورقي حتى عام 2030. وكان هذا التنبؤ حصيلة استطلاع للرأي أجراه المعرض بين أكثر من 400 رئيس مؤسسة طباعية وصحافة عالمية.
 
وإذ يزحف الكتاب الإلكتروني ببطء منذ عام 1990 على أجنحة معرض فرانكفورت تزحف الصحافة الإلكترونية بسرعة لتحتل العوالم الرقمية بين دهاليز متاهة الإنترنت اللانهائية. واعتبر ماير أن الصحافة الورقية الحالية ليست أكثر من مرحلة انتقالية في مستقبل الصحافة المحسوم للصحافة الإلكترونية. وتنبأ الباحث، في ضوء التطورات التقنية الأخيرة، أن تسود في البداية صحف إلكترونية من رقائق إلكترونية تشبه الصحيفة الورقية، ريثما يتم الانتقال تماما إلى شكل لا يمكن التنبؤ به الآن من أشكال الصحافة الإلكترونية. ودعا ماير إلى تحسين نوعية الصحافة الإلكترونية بدلا من نبذها لأن مستقبل الصحافة يكمن في تطورها، فالصحف الورقية التي ستضطر للانتقال إلى الشبكة لا بد أن تنقل «نوعيتها» معها كي تستمر.

واعتبر مرحلة الانتقال من الصحافة الورقية إلى الإلكترونية فرصة رائعة للمؤسسات الصحافية لتقليص تكلفة الورق والطباعة والنقل والتوزيع التي تشكل عادة ثلث تكلفة الدور الصحافية. ولن تتقدم هذه المؤسسات في النجاح ما لم تقتصد في التكلفة لتوظف الفائض في تحسين نوعية الصحافة الإلكترونية. يعرف كل صحافي ناشط حاليا أن الحصول على مصادر المعلومات أصبح أسهل بفضل الثورة المعلوماتية والإلكترونية وبفضل الإمكانيات الكبيرة التي توفرها الشبكة. لكن الصحافي، حسب رأي كثير من الصحافيين، تحول بحكم التعدد الوظيفي لمهنته، إلى كاتب طابعة ومصمم ومخرج ومصحح في آن واحد بسبب العمل في الصحافة الإلكترونية.

وإذ يعتمد صحافي اليوم على الإنترنت كمصدر للمعلومات فإن إمكانيته على تدقيق هذه المعلومات، بسبب طول فترات العمل وتعدد الوظائف، ضعفت كثيرا. وهذا ما أكده روبرت روزنتال، مدير مركز الصحافة التحقيقية «CIR» لصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» حينما دعا الصحافي إلى تدقيق المعلومات القادمة من الإنترنت قبل توظيفها في الكتابة والتحليل. ورصدت دراسة حديثة الاختلافات التي طرأت على طبيعة عمل الصحافيين على مدار السنوات الماضية، التي تمثلت في زيادة فترات العمل، وعدم وجود الوقت الكافي للبحث، واستهلاك كثير من الوقت في المؤتمرات. وخلصت الدراسة، التي أجرتها جامعة مونستر ونشرتها مجلة «الصحافي» في عددها لشهر أغسطس (آب) الحالي، إلى أن أكثر من نصف الصحافيين الذين شملتهم الدراسة صاروا يعملون لساعات أطول، وبالتالي تراجع الوقت المتاح لديهم للقيام بأبحاث خاصة بعملهم. ووفقا للدراسة، يعد الصحافي التلفزيوني أكثر صحافي يقضي أوقاتا طويلة في المؤتمرات.

وقال 41 في المائة من إجمالي 327 صحافيا من 15 مؤسسة إخبارية شملهم الاستطلاع، إنهم يقضون الآن المزيد من الوقت في التواصل والتنسيق وهو أمر اعتبره نصف المشاركين في الدراسة مضيعة لمستوى كفاءة العمل الصحافي.
 كما أشارت الدراسة إلى تأثير الضغوط الاقتصادية على المؤسسات الإعلامية وعلى العمل الصحافي، حيث يرى 50 في المائة من الصحافيين المشاركين في الدراسة أنه من الضروري توفير مناخ مناسب للعملاء من أصحاب الإعلانات، كما أن الموضوعات المعقدة وغير المحببة للقارئ تتراجع على حساب الموضوعات الاستهلاكية. ويرى 60 في المائة من الصحافيين أن الضغوط الاقتصادية والمنافسة القوية تؤثر بشكل كبير على دقة عملهم. وشملت الدراسة مجموعة من المؤسسات الصحافية الشهيرة في ألمانيا، بينها صحيفتا «دي تسايت» و«بيلد»، والقناة الأولى بالتلفزيون الألماني، ومجلة «دير شبيغل».

وأجرى البروفسور ميشائل هيللر، من جامعة لايبزغ (شرق)، دراسة حول مستقبل الصحافة خلال 10 سنوات مع آلاف الصحافيين عبر الإنترنت. وتوصلت الدراسة المعنونة «مستقبل الصحافة» إلى أن الصحافة التقليدية مهنة زائلة بحكم زوال الصحافة الورقية. وجاء في التعليق أن مهنة الصحافي كمراقب وناقد ودافع للتغير تنحسر وتحل محلها وظيفة الصحافي كداعية لشركات الإعلان التي ستلعب مستقبلا دورا مهمّا في حياة الصحافة. 

فى غصون 10 سنوات سااغير الصحافة


وتنبأت الدراسة باحتمال حصول تغيير نوعي في العمل الصحافي خلال 5 إلى 10 سنوات. وتميل الصحافة اليوم إلى معالجة قضايا اجتماعية وسياسية معقدة بأسلوب سهل وغير مألوف بسبب ضغط العمل والنضال من أجل البقاء.
 
وعبر ثلثا الصحافيين الذين شملهم الاستفتاء عن قناعتهم بفقدان تدريجي لوظيفة الصحافة كأداة ديمقراطية للرقابة الاجتماعية. وذكر ربع الصحافيين أيضا أن عمليتي التصحيح والتدقيق والتحرير تفقد أهميتها بالتدريج، كما عبرت نسبة 80 في المائة منهم عن خشيتهم من فقدان عملهم مستقبلا بسبب التطور النوعي والوظيفي السريع في عالم الصحافة.
 
والمهم هو أن غالبية الصحافيين الألمان طالبوا بفرض نوع من الرقابة على الصحافة الإلكترونية بسبب ابتعادها عن مواصفات الصحافة النوعية الجيدة. ولاحظ من شملهم الاستفتاء أن عملية التدقيق والتصحيح تفقد أهميتها بالتدريج في الصحافة الإلكترونية «العمومية» لأن كثيرا منها يعتمد أيضا على النشر من دون مقابل. عدا ذلك، فهناك تغير واضح في المهمات الصحافية بسبب العصر الجديد الذي يوفر قنوات اتصال متعددة بالناس. فالصحافي الجديد متعدد الوظائف، يعمل في أوساط مختلفة ذات توجهات وأهداف متنوعة، ويتصدى لمهمات تكون أحيانا ليست من اختصاصه.
 
والنتيجة الإيجابية الأساسية في الدراسة التي نشرتها صحيفة «لايبزجر تسايتونغ» هو وجود زحف نسائي على ساحة العمل الصحافي التي يحتكرها الرجال عادة.
 
والجميل في هذا الرأي أنه صدر عن الصحافيين الذكور الذين شملهم الاستفتاء، ولم يصدر عن الصحافيات أنفسهن. وفي مقابلة عن مستقبل الصحافة اليوم مع «زود دويتشه تسايتونغ» وصف ألان روسبريجر من«الغارديان» الحالة «بالصعبة». وقال بعدم وجود «موديل عمل واحد» يتيح لـ«الغارديان» ممارسة الصحافة، وعليهم دائما البحث عن قنوات إضافية للتمويل.

وعبر روسبريجر عن قناعته بأن «الصحافة الإلكترونية» المجانية قادمة لا محالة وأن على من يريد الحياة أن يعتمد أكثر فأكثر على الإعلان والكسب البديل.

وأضاف: «لا أعتقد أن كل الصحف الكبيرة ستعيش، لأن الإنترنت لا توفر مجالا كافيا لتمويلهم جميعا». وإذ أكد الصحافي البريطاني على أن نوعية الصحف تعتمد أساسا على استعداد وكفاءة التحرير، فإنه أكد على ضرورة أن تتولى هيئات التحرير وضع موديل جديد لعملها الصحافي المستقبلي كي يتسنى لها الاستمرار، وأشار إلى أن «واشنطن بوست» فعلت ذلك في حين أن «نيويورك تايمز» تواجه مشكلات كبيرة.
 
وأيد روسبريجر مقترح تحويل المؤسسات الصحافية إلى معاهد أو مؤسسات خيرية أو مؤسسات اجتماعية متعددة الوظائف، لكنه رفض تمويل الدولة لها واعتبره تناقضا مع حرية الصحافة ووظيفتها الاجتماعية.
 
وقال روبرت روزنتال، الذي سبق له العمل في «فيلادلفيا انكوايرر»، وشهد تسريح عشرات الصحافيين تقليصا للتكلفة عام 1998، إن معظم الصحف الأميركية تقلصت في الفترة الأخيرة في حين أن مؤسسته، مركز الصحافة التحقيقية «CIR»، تملك المستقبل لأنها تحولت إلى مؤسسة غير ربحية ولا ترمي إلا إلى سد النفقات، لا أكثر.
 
وأضاف أن الصحف الإلكترونية كافة تنشر موضوعات متماثلة وتعتمد استراتيجيات متشابهة، وهذا يعني أن المستقبل لمن يعتمد موديلات جديدة. وحسب رأيه لا مجال أمام الصحف النوعية والجيدة، في العالم الإلكتروني المقبل، غير أن تتخلى عن الربحية وأن تعتمد شعار النوعية قبل الكمية.

المصدر : الشرق الأوسط


 

مواضيع ذات صلة :