شوارع كثيرة في اليمن تعج بآلاف الباحثين عن العمل، أينما يممت وجهك تجد عمال البناء والخدمات الذين يعملون بالمساومة أو ما يعرف بالأجور اليومية. وحين تتوقف أمامهم تجدهم يهرعون إليك بالعشرات لتقديم خدماتهم بتلهف يثير الحسرة والشفقة..
تكسو وجوه هؤلاء مسحة طاغية من ملامح الفقر والعوز والحرمان في أبرز تجلياته.
وبالرغم من انعدام فرص العمل في أغلب الأوقات إلا أنك تجدهم مع بزوغ أول ضوء وقد بكروا في المجيء إلى ساحات وأرصفة باتت مألوفة لتجمعاتهم في شوارع العاصمة صنعاء، كجولة دار سلم، أو شوارع جولة تعز، والقاع، وشوارع باب اليمن على امتدادها وزحمتها، فضلاً عن الأسواق التجارية الأخرى كمنطقة الحصبة والستين وبالقرب من مواقف و»فرزات» نقل الحافلات وسيارات الأجرة.
حينما زرت عدداً من تجمعات عمال البناء للاطلاع على طبيعة عملهم تجمهروا حولي قبل أن أتكلم، ظناً منهم أنني أريد استئجار بعضهم للعمل وكأن مفاتيح الرزق بيدي، ورحت أحدثهم عن الصعوبات التي تواجههم وماذا يكسبون، وعن حقوقهم في ظل الفارق الطبقي الشاسع بين الغني والفقير، وارتسمت على ملامح بعضهم صعوبة عملهم الشاق والفقر المدقع الذي يرزحون تحته والصراع من أجل لقمة العيش الشريفة فتوجهت لمجموعة من العمال وهم يشيّدون أحد البيوت السكنية لأقف على معاناتهم وما يتطلعون إليه وهم يضعون بعض الأغطية على رؤوسهم عسى أن تخفف من وطأة حرارة الشمس الملتهبة وسموم الرياح وهي تحمل الغبار الكثيف في مثل هذه الأيام، فالتقينا بالعامل صالح الصامت - خمسون عاما- قال: «اعتدت على الخروج يوميا ومنذ ساعات الضياء الأول متوجهاً إلى جولة دار سلم التي يتجمع فيها العمال كل يوم انتظارا لأصحاب الأعمال من مقاولين وإنشائيين وغيرهم وقد يحالفني الحظ في يوم دون غيره حيث إن عملنا ليس مستمراً وذلك لازدياد أعداد البطالة في الشارع، وأجرة عملي اليومي هذا لا يكفي لدفع متطلبات المعيشة في ظل ارتفاع الأسعار، ناهيك عن حالات المرض وغيره».
خريجون في الشوارع
أما العامل عبد الفتاح الصوفي فقد شكا إلينا وهو يبكي من شدة الحاجة للمال كضرورة لتدبير احتياجاته وكذلك لأنه يريد الحصول على مصدر عمل له.. يقول بمرارة بأن لديه عائلة من 8 أفراد ولديه ست بنات- منهن ثلاث متخلفات عقليا وثلاث محرومات من التعليم- ويسكن في حانوت(دكان) إيجاره الشهري عشرة آلاف في منطقة حزيز، مضيفاً بأن عمله هذا غير دائم، يقول: «اليوم الذي نحصل فيه على فرصة عمل نجد ما نأكل ونشرب أنا وعائلتي أما اليوم الذي نرجع فيه بدون عمل من جولة العمال فيكون وضعنا سيئاً جداً» فوجئت بأن هذا العامل خريج، لكنه أضاف بلهجته الريفية (اللي عنده واسطة يتوظف واللي مثلي وأمثالي ماشي لهم غير الله»!
حكومة في المريخ
بدوره، العامل عبد الباسط المشرقي يفلسف مشروع التغيير ولكن برؤية مغايرة بعيدة تماماً عن بال السياسيين- السابقين واللاحقين- حين يحدثك بمرارة: «يظل العامل الفقير يطمح بالتغيير في حياته، ويتفاجأ بكل شيء انعكس ضده، والناس والحكومة حقنا تعطيك من طرف اللسان مواعيد وفوقها حلاوة وتروغ من العاطلين والباحثين عن العمل كما يروغ الثعلب، ونظل نحن الطامحين للعمل محلك سر- إلى الخلف»- ويتابع: «هذا حالنا نحن عمال البناء وقد تحطمت أمانينا وأحلامنا بمن انتخبناهم وأوصلناهم إلى كراسي الحكم فهم لا يفكرون سوى بمصالحهم الشخصية وغنائمهم ونحن نعيش على جفاف العوز والفقر والجوع والظلام، فماذا تريد أن أضيف من ظروف صعبة ومعيشة قاهرة في ظل الأوضاع المتردية للبلد. حتى حكومة الوفاق ذابت شعاراتها وتبخرت وعودها حتى وصل صيتها سطح المريخ قبلما توصل عندنا، بينما العاطلون عن العمل في تزايد مخيف”.
معاناة طويلة
عند متابعتنا لموضوع عمال البناء وجدنا معاناة أخرى يعانيها الطلبة الخريجون من أجل توفير لقمة العيش، حيث لاحظنا بعد انتهاء مرحلة المعاناة الطويلة للطالب من السهر والكد والاجتهاد من أجل النجاح في الدراسة والتخرج, وبعد الحرمان والآلام والجوع من أجل تغطية مصاريف الدراسة, تأتي مرحلة جديدة من المعاناة والعذاب لما بعد التخرج وهى مرحلة البحث عن وظيفة, حيث يفاجئ الخريجون بمشكلة ازدياد عددهم وبدلا من أن يشارك هؤلاء بإبداعاتهم وعلمهم في بناء وطنهم وتنميته, تبدأ معاناتهم في البحث عن وظيفة تلبي لهم طموحاتهم وآمالهم في الحياة ومن المفترض أن ينخرطوا في أماكن أخرى حساسة باعتبارهم عناصر شابة مزودة بمؤهلات علمية ومهنية تستجيب لمتطلبات العمل والتنمية, ولكن ما نراه هو العكس حيث ازداد عدد الخريجين إلى مئات الآلاف من مختلف التخصصات وجميعهم عاطلون بلا عمل، يجد الخريج نفسه وحيدا دون مساندة من حكومته التي يقع على كاهلها توفير فرص العمل، مما يدفعه لطرق أبواب أخرى لأنه أصبح تائها يريد عملا ولو من خارج تخصصه، وربما هذا العمل لا يحتاج إلى شهادة فقد وجدنا الكثير من خريجي جامعة صنعاء يلتحقون بوظائف غير متناسبة مع مؤهلاتهم العلمية، منهم من صار يعمل في شركات الحراسة أو مع عمال البناء في الجولات وأماكن التجمعات العمالية أو في المطاعم أو في تنظيف المباني أو بيع السجائر... وهكذا أصبح الخريجون ضائعين في دورة عمل مؤقتة ومهينة لا تتناسب ومؤهلاتهم العلمية وبأجر مخزٍ بعد أن يأس البعض من إيجاد فرص عمل أو الحصول على وظيفة تلبي طموحاته وعلى إثر ذلك فقد ارتفعت نسبة البطالة بين الخريجين, وأصبحت الوظيفة عملة نادرة غير متوفرة إلا من خلال الواسطة والمحسوبية سواء كان في الوزارات والمصالح الحكومية أو غيرها من الشركات والمصانع في القطاع التجاري الخاص.. أضف إلى ذلك أن الباحثين عن فرص العمل يعيشون تحت ظروف وأوضاع صعبة جدا، ومثلهم الخريجون من الجامعات ممن أجبرت الظروف الكثير منهم للسفر خارج الوطن للعثور على فرص عمل للخلاص من معاناتهم النفسية وهرباً من جحيم ظروفهم الاقتصادية ومستقبلهم المجهول.. هكذا بات حال شبابنا الخريجين وفي مقدمتهم عمال البناء الغلابى الذين يعملون بالأجور اليومية ومن يبحثون يوميا منذ الصباح الباكر عن فرص عمل ومأوى ولقمة عيش، رغم أنهم شريحة هامة من شرائح المجتمع التي يعتمد عليها اليمن كونهم أهم عناصر البناء والتنمية.
عمال البناء في اليمن
قد لا نبالغ حينما نقول إن نحو نصف الشباب اليمني العاطل هم من عمال البناء، حيث لم يجدوا سوى مزاولة هذه المهنة الشاقة التي تروج في العاصمة صنعاء بصورة كبيرة وأصبحت اليوم مقصداً لخريجي الجامعات والمعاهد الذين علّقوا شهاداتهم على جدران بيوتهم وقصدوا هذه المهنة البائسة لجلب لقمة العيش لعائلاتهم.
يخرج فهد الراعي (35 عاماً) يومياً إلى “مسطر” عمال البناء لينتظر من يؤجره لمهمة بناء معينة، ويرى أنه “مضطر لمزاولة هذه المهنة المتعبة لعدم حصوله على فرصة عمل في دوائر الدولة”. ويقول الراعي وهو أحد خريجي كلية الاقتصاد: “لو لم نخرج إلى العمل في البناء فلا أحد يأتي ويرمي المال في أحضاننا خاصة وأن شهاداتنا العلمية لم تعرها الحكومة اليمنية أي أهمية وأصبحت مهنة البناء هي الملجأ الوحيد للخريجين”. ويتابع بأنه “حتى عند التفكير في عمل مشروع معيّن فالكثير من الظروف وأولها قلة التمويل تمنع من إقامة مشروع ينهض بواقع الشباب اليمني ولذلك فهو يفشل ويحاول البحث عن عمل معين لسد احتياجات عائلته”.
فيما يشير المواطن عزيز الحديقي(40 عاماً) وهو متزوج ولديه (ستة أولاد)، إلى أنّ “مهنة البناء متعبة جداً وتحتاج إلى الجهد البدني والدقة في العمل، ولكن الكثير من الشباب أجبروا على ممارستها لعدم توفر فرص العمل ويضيف، «عملت منذ صغري في هذه المهنة وقمت بتطوير خبراتي بها حتى أصبحت (أسطى ولدي زبائني الخاصين، ومن يبقى دون تطور لا يجني سوى الريالات القليلة التي لا تكفيه لسد احتياجاته”. ويلفت إلى أن “مهنة البناء تزداد خلال فصل الصيف حيث يقبل السكان في العاصمة صنعاء على بناء بيوتهم في الصيف لطول الوقت والأجواء المناسبة للعمل، وبالتالي تصبح مقصداً وحيداً للشباب العاطلين عن العمل وخاصة حملة الشهادات العلمية”. وتصل أجرة الأسطى في صنعاء إلى (3000 آلاف ريال) يومياً وأجرة عامل البناء (2000”..
من جانبهِ يوضّح المواطن مختار البسوس (30 عاماً) وهو عامل بناء؛ بأنّه «بالرغم من مشقة العمل في مهنة البناء فإن المواطنين يرون أجور العمال باهظة وهي في الحقيقة قليلة مقارنة مع غلاء المعيشة وصعوبات الحياة”- ويتابع البسوس: “تمر بعض الأيام من غير عمل حيث ينتظر العمال طوال النهار في (حراج العمال) وقد تزايد عددهم بشكل كبير بسبب عدم توفر فرص عمل أخرى، وبالتالي انقضاء يوم كامل من غير عمل بالرغم من احتياجاتهم للمال لشراء قوت الغذاء لأطفالهم».
ويرى المواطن عبد الباري الجناتي (42 عاماً) بأنّ “فشل الحكومة اليمنية في احتضان شريحة الشباب وإيجاد فرص العمل المناسبة واللائقة بهم وخاصة لشريحة الخريجين دفعتهم إلى العمل في أي مجال في سبيل لقمة العيش لا أكثر ولكنهم في الوقت نفسه بحاجة إلى الوظائف التي تفعّل خبراتهم وطاقاتهم وكذلك تحقيق أحلامهم وطموحاتهم في الحياة ومنها الزواج وتأسيس الأسرة وقد حالت الظروف الحياتية الصعبة دون ذلك».
ويبيّن بأن “انحسار قطاعات الزراعة والصناعة في البلاد وقلة الوظائف الحكومية أدت بالشباب اليمني إلى العمل في مجال البناء وغيرها من المهن الأخرى المتوفرة في الأسواق وهي مهن بائسة لا تدر المال الكافي لسد جميع احتياجات الشباب ومسؤوليتهم تجاه أسرهم».
صحيفة مال وأعمال العدد (94)



